مِنْ قبلِ أَنْ يأتيَ يومٌ لا تَنْمُو فيهِ الأَموالُ بِتِجارَةٍ ولا تَنْفَعُ فيه كذلك صَدَاقَةٌ إنَّما تَنْفَعُ الأعمال، قال تعالى: يا أَيُّها الذينَ آمَنوا أنْفِقوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ يومٌ لا بَيعٌ فيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلَا شَفاعَة (254 - البقرة) .
البَيْنُ في كلامِ العربِ جاء على وِجْهَين: الفُرْقَةُ والوَصْل، أَي: إنْفَصَلَ وظَهرَ ما كان مُستَتِرًَا بِأن يَبينَ بَيْنًا وبَيْنُونة، وهو مِنَ الأَضداد. ويكونَ البَيْنُ ظرفَ زمانٍ أَو مِكان حسبَما يُضافُ إليه، ويكونُ إسمًا مُتَضَمِّنًا مِعنى المُفارَفَة إذا سُبِقَت بِحرفِ جَرٍّ كقولِه تعالى: لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَديِهِ وَلا مِن خَلْفِه (42 - فصلت) ، قيلَ البَاطِل: الشيطان لا يستطيعُ أَنْ يُنْقَصَ مِنه حقًَّا أو يزيدَ فيه باطِلًا، قيل (من بين يديه) : الحق، و (من خلفه) : الباطل، وعَن إبنِ عباس: (من بين يديه) : مِن اللهِ تعالى، و (من خلفه) : جبريلُ عليهِ السلام و (لا) مِن محمدٍ صلى الله عليه وسلم. كَما قَد تكونُ إسمًا كَسائِرِ الأسماءِ يُعرَبُ بِحَسبِ مَوقِعِه مِنَ الجُملة، كَقولِه تعالى: لَقَد تَقَطَّعَ بَينَكُم (94 - الانعام) ، فإذا قُرِئَ بِالضمِّ أي: تقطع بَيْنُكُم، فهو (إسم) بِمعنى: وَصْلُكُم، أي: ضاعَ عَنْكُم الأَموال والعَشيرةُ والأَعمالُ التي كُنتُم تَعتَمِدُونَها، وإذا قُرئَ بالنَّصبِ: ما بينَكُم، فهو (ظَرف) ، أي: تَقَطَّعَ الإتصالُ الذي كانَ بينَكُم في الدنيا. والمُبايَنَة: المُفارَقَة، وتَبايَنَ القومُ: تَهَاجَروا، وتَبايَنَ الرجُلان: بَانَ كلُّ واحدٍ مِنْهُما عَن صاحِبه، وكذلك في الشرِكَةِ إذا إنْفَصَلا. وبَانَت المرأةُ عَن الرجُلِ وهي بائِن، إنْفَصَلت عنهُ بِطلاقٍ، والطَّلاقُ البَائِنُ هو الذي لا يَمْلِكُ الزوجُ فيه إستِرجِاعَ المرأةِ إلا بِعقدٍ جديد. وبانَت الجاريةُ إذا تَزَوَّجت وصارَت إلى زوجِها. وفي الحديثِ: بَيْنا نَحنُ عِندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءَهُ رجلٌ، أصلُ (بيْنا) : بينَ فأُشبِعَت الفَتحةُ فَأَصْبَحَت ألِفَا، ً ويُقال (بَيْنا وَبَيْنَمَا) وهي ظرفُ زمانٍ بِمعنى المُفاجَأة، وقولُه تعالى: وَجَعلنا بَيْنَهُم مَوْبِقًا (52 - الكهف) ، مَعناهُ جَعَلْنا بينهُم مِنَ العذابِ ما يُوبِقُهُم، أَي: يُهلِكُهم، وقيلَ جعلنا بينَهُم موبقا، أي: تواصُلَهُم في الدنيا مَوبِقًَا لهُم يومَ القِيامةِ أِي هَلاكًَا. وهذا الشيءُ بَيْنَ بَيْن، أي: بَيْنَ الجيِّدِ والرَّدِيء، وقالوا: يُريدونَ المُتَوَسِّطَ، كقولِه تعالى: لا فارِضٌ ولا بِكرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلك (68 - البقرة) ، أي: لا كبيرَة هَرِمَة ولا صَغيرة لم يَلْحَقها الفحلُ وهي أَقوى ما تَكونُ وأحْسِن. ولا يُستَعْمَلُ (بين) إلا فِيما كانَ لَهُ مَسافة، نحو: بَيْنَ البَلَديْنِ، أَو لَهُ عَدَد ما إثْنانِ فَصاعِدًَا نحو: بَيْنِ الرجُلَيْن وبَيْنَ القومِ. ويُقَال هذا الشيءُ بَيْنَ يديَك، أي: مُتَقَدِّمًا لك، قال تعالى: مُصَدِّقًا لِما بينَ يَدَيَّ مِنَ التوراةِ (46 - المائدة) . ويُقال: هو بينَ يديَك، أي: قريبٌ مِنك، قال تعالى: وجَعَلنا مِنْ بَينِ أَيديهِم سَدًَّا ومِن خلفِهِم سَدًَّا (9 - يس) . وقولُه تعالى: لقدأنزلنا آياتٍ مُبَيِّنات (46 - النور) ، بِكَسْر الياء وتَشْدِيدِها بمعنى: مُتَبَيِّنات، ومن قرأ بفتح البَاءِ: أَنَّ اللهَ تعالى بَيَّنها، والتَبْيينُ الإيضاحُ والوضوح، وقِيلَ عن النِّساء: لا تَكادُ تَستَوفي الحُجَّةَ ولا تُبين، وقِيلَ أنَّه يَعني بهِ الأصنام. وقوله تعالى: ولا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبيِّنة (1 - الطلاق) ، أي: ظاهرة مبينة وَبِحَدٍّ يُقامُ عليها. وقولُه تعالى: حم والكِتابِ المُبِين (1 و 2 - الزخرف (أَبانَ طُرقَ الهُدَي مِن طُرقِ الضَّلالِ وأَبانَ كُلَّ ما تَحتاجُ إليهِ الأُمَّة، وقولُه تعالى: هذا بَيانٌ لِلناسِ وهُدَى وموعِظَةً لِلمُتَّقين(138 - آل عمران) ، سُمِّيَ الكلامُ بَيانًَا لِكَشْفِهِ عَن المَعنى المَقصودِ إظْهارُه. بَانَ الشيءُ يَبينُ بَيَانًَا، إتَّضَحَ فهو بَيِّن، وَكَذا أَبانَ الشيءَ فهو مُبِين، وأَبَنْتُه أَنا: أَوْضَحتُه، واسِتَبانَ الشيءُ ظَهَر وَوَضح، وقالَ عليه السلام: الحَلالُ بَيِّن والحرامُ بَيّن وبَيْنَهُما أُمورٌ مَشتَبِهات، وقولُه تعالى: لا إكْراهَ في الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِن الغَيّ (256 - البقرة) . واسْتَبَنْتَ الشيءَ: إذا تأَمَّلتَه حَتى تَبَيَّنَ لَكَ. قال تعالى: وَلِتَسْتَبينَ سَبيلُ المُجْرِمين (55 - الانعام) ، أي: لِتستبينَ أنْتَ يَا مَحمَّد سبيلَ المُجرِمين ولِتزدَادَ إستِبِيانَهُ فَيَتَّضِحَ لكَ سبيلُ المُؤمنين، وكَذا قولُه تعالى: