العُقُولُ الذَكِيَّةُ، وَهُوَ يَصحُّ أَنْ يَكونَ فَعيلًا بِمَعنى فَاعِل لِقَوْلِه تَعالى: نَبِّيءْ عِبادِي (49 - الحجر) ، أِي: أِخْبِرْهُم، وَأَنْ يَكونَ بِمَعنى المَفْعُولِ لِقولِه تَعالى: نَبَّأَنِيَ العَليمُ الخَبيرُ (3 - التحريم) . وَتَنَبَّأَ فُلان: إدَّعَى النُبُوَّةَ وَكانَ مِن حَقِّ لَفْظِهِ فِي وَضْعِ الُّلغَةِ أَنْ يَصِحَّ اسْتِعْمَالُه فِي النَبِيِّ إذْ هُوَ مُطاوِعُ نَبَّأ، تَقولُ: زَيَّنَهُ فَتَزيَّنَ، لَكِن لَما تُعُورِفَ فِيمَن يَدَّعِي النُبُوَّةَ كَذِبًَا جُنِّبَ اسْتِعْمَالُه فِي المٌحِقِّ وَلَم يُسْتَعْمَل إلا فِي المُتَقَوِّلِ فِي دَعْواه كَقولِكَ: تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَة. وَقَالَ رَجُلٌ لِلرسولِ صلى الله عليه مسلم: يَا نَبِيءَ الله، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَسْتُ يِنَبِيءِ الله وَلَكِنِّي نَبِيُّ اللهِ فَأَنْكَرَ الهَمْزَ فِي إسْمِه. قَالَ الفَرَّاء: النَبِيُّ مَنْ أنْبَأَ عَن اللهِ عَزَّوَجَل، فَتَرَكَ الهَمْزَ، وَإنْ أُخِذَ مِنَ النُبُوَّةِ وَالنَّبَاوَة، وَهِي الإرِتِفَاعُ، أَي: أَنَّه أَشْرَفَ عَلى سَائِرِ الخَلْقِ، فَأَصْلُه غَيرُ الهَمْزِ. وَيُقَالُ: نَبَأْتُ مِنَ الأَرضِ إلى أَرْضٍ أُخْرَى إذا خَرَجْتُ مِنْهَا إلَيْهَا.
النَّبْتُ وَالنَّبَاتُ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرضِ مِنَ النَامِياتِ، سَواء كَانَ لَه سَاق كَالشَجَرِ، أَو لَم يَكُن لَه ساق كَالنَّجْمِ. لَكِن أخْتصَّ فِي التَعارُفِ بِمَا لا سَاقَ لَه، بَل قَد إخْتَصّ عِندَ العَامَّةِ بِمَا يَأْكُلُه الحَيوان، وَعَلى هَذا قَولُه تَعالى: لِنُخْرِجَ بِه حَبَّا وَنَبَاتًَا (15 - النبأ) ، وَمَتى اعْتُبِرَت الحَقائِقُ فَإنَّه يُسْتَعْمَل فِي كُلِّ نَامٍ نَبَاتًَا كَانَ أَو حَيَوانًَا أَو إنْسانًَا، وَالإنْبَاتُ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ ذَلِك. قَالَ تَعالى: فَأَنْبَتْنَا فِيها حَبًَّا وَعِنَبًَا وَقَضْبَاَ وَزيْتُونًَا وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْبًَا وَفَاكِهَةً وَأَبًَّا (27 - 31 - عبس) ، وَقولُه تَعالى: فَأَنْبَتْنَا بِه حَدائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كانَ لَكُم أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها (6 - النمل) ، وَقولُه تَعالى: يُنْبِتُ لَكُم بِه الزَرْعَ والزَيْتُونَ (11 - النحل) . وَفِي خَلْقِ الإنْسانِ يَقول تَعالى: وَاللهُ أَنْبَتَكُم مِنَ الأرضِ نَبَاتًَا (17 - نوح) ، فِي إشَارَةٍ إلى خَلْقِ آدَمَ عَليه السلام مِنْ تُرابٍ ثَمَّ مِنْ نُطْفَةٍ. وَفِي نَشْأَةِ مَرْيَمَ وَتَرْبِيَتِها مِنْ قِبَلِ زَكَرْيَّا عَلَيهِمَا السلام قَولُه تَعالى: وَأَنْبَتَها نَبَاتًَا حَسَنًَا (37 - آل عمران) . وَقَولُه تَعالى: وَشَجَرةً تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (20 - المؤمنون) ، البَاءُ لِلحال لا لِلتَعْدِيَة، لأنَّ (نَبَتَ) مُتَعَدِّ تَقديرُه: تَنْبُتُ حَامِلَةً للِدًّهْنِ، أَي: تَنْبُتُ وَالدُّهْنُ مَوجودٌ فِيها بِالقُوَّةِ، إشارة إلى شجر الزيتون. وَأَنْبَتَ الغُلامُ: رَاهَقَ.
النَّبْذُ: إلقاءُ الشيءِ وَطَرْحُه لِقِلَّةِ الإعْتِدَادِ بِه، وَلِذلِكَ يُقال: نبذته نَبَذَ الخَلَق، قَالَ تَعالى: لَيُنْبَذَنَّ فِي الحَطَمَةِ (4 - الهمزة) ، أي: لَيُطْرَحَنَّ في جَهَنَّم. وَقالَ تَعالى: فَنَبَذوه وَراءَ ظُهُورِهِم (187 - آل عمران) ، طَرَحوه لِقِلَّةِ إعْتِدادِهِم بِه. وقَولُه تَعالى: وَإمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَومٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إلَيهِم على سَواء (58 - الأنفال) ، المَعْنَى: إنْ كانَ بَيْنَكَ وبَينَ قَومٍ هُدْنَة فَخِفْتَ مِنهُم نَقْضًَا لِلعهدِ فَلا تُبادِر إلى النَّقْضِ حَتى تُلْقِي إليهِم أَنَّكَ قَد نَقَضْتَ مَا بَيْنَكَ وَبِيْنَهُم فَيَكونوا مَعَك فِي عِلمِ النَّقْضِ والعَوْدَةِ إلى الحَربِ مُسْتَوِين. وَانْتَبَذَ فُلانٌ عَن قَومِه تَنَحَّى إلى نَاحِية، وَقِيل: إعْتَزَل إعْتِزَالَ مَنْ يُقِلُّ مُبالاتِه بِنَفْسِه فِيمَا بَيْنَ الناسِ، قَالَ تَعالى فِي قِصَّةِ مَرْيَم: وَاذْكُر فِي الكِتابِ مَريمَ إذْ إنْتَبَذَت مِنْ أَهْلِهَا مَكانًَا شَرْقِيًَّا (16 - مريم) ، هُوَ الإنْتِبَاذُ الأوَّل لِلخَلْوَةِ والعِبَادَة، وَأَمَّا الإنْتِبَاذُ الثَّانِي فَفِي قولِه تَعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَت بِه مَكانًَا قَصِيًَّا (22 - مريم) ، فَهُوَ إبْتِعَادُهَا عَن قَومِهَا لَمَّا أَحَسَّتْ بِالحَمْلِ وَخَشِيَت أَعْيُنَ الناسِ وَفُضَولَهُم. وَأَمَّا مَا كانَ مِنْ أَمْرِ موسى عَليهِ السلام مَعَ السامِرِيُّ في قَولِه تَعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96 - طه) ، ذَلِكَ أَنَّ السامري أَلْقَى بِمَا قَبَضَه مِن أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ جِبريلَ عليه السلام عَلى الحُلِيِّ التي كَانَت مَع بَنِي إسرائِيل فَانْسَبَكَ عِجْلاَ جَسَدًا لَه خُوار وَأَوْهَمَهُم بِأُلوهِيَّةِ العِجْلِ وَطَلَبَ مِنْهُم عِبَادَتَه. وَصَبِيٌّ مَنْبُوذ إعْتِبَارًا بِمَن طَرَحَه، وَلَقِيط إعْتِبارًا بِمَن تَنَاوَلَه. وَالنَبِيذُ: التَمْرُ والزَبِيبُ المُلْقَى مَعَ المِاءِ فِي الإنَاءِ.