سَهَّلْنَا عَليكَ تِلاوَتَه وَتَبْلِيغَه لَهُم بِلُغَتِكَ وَلُغَتِهِم، وَقَوْلُه تَعالى: وَلَقَد يَسَّرْنَا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر (17 - القمر) ، سَهَّلْنَا القُرآنَ لِقومِكَ بِأَنْ أَنْزَلْنَاه بِلُغَتِهِم عَرَبِيًَّا مُبِيِّنًَا مُشْتَمِلًا عَلى أَنْواعِ المَواعِظِ وَالعِبَرِ وَالقَصَصِ، وَقَولُه تَعالى: وَسَنَقُول لَه مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًَا (88 - الالكهف) ، أَي: نَأْمُرُه بِمَا يَسْهُلُ عَليه. وَشَيءٌ يَسير: هَيِّن أَو قَلِيل، قَالَ تَعالى: وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسير (65 - يوسف) ، أَي: لا يُكَلِّفُنَا إلا أَنْ نَصْطَحِبَ أَخانَا لأنَّ يُوسفَ عَليه السلام كَانَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعير. وَقَولُه تَعالى: إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسير (11 - فاطر) ، كَوْنُ الشيءِ يَسيرًا عَلى اللهِ سُبحانَه إنَّمَا هُو عَلى سَبيلِ المَجازِ وَالإسْتِعَارَةِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلالِه تَعالى مَع تَنْزِيهِهِ عَن حَقِيقَتِها، فَأَمْرُه إذا أَرادَ شَيئًَا أَنْ يَقولَ لَه كٌنْ فَيَكُون. والمَيْسَرَة وَاليَسَار: السُّهُولَة وَالغِنَى، وَأَيْسَرَ الرَّجُلُ صارَ ذَا يَسار، وَرَجُلٌ مُوسِر: ذُو غِنَى، قَال تَعالى: وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَة (280 - البقرة) ، بِإمْهالِ المَدينِ المُعْسِر. وَالمَيْسِر: القِمَارِ، قَالَ تَعالى: إنَّمَا الخَمْرُ وَالمُيْسٍرُ والأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْزٌ مِنْ عَمَلِ الشيطانِ (90 - المائدة) ، فَكُلُّ شَيءٍ فِيه قِمارٌ فَهو مَيْسِر حَتى لَعِب الصِّبْيانِ بِالجَوزِ وَغَيْرِه. وَيَسَّرَ واسْتَيْسَرَ: تَسَهَّلَ، قَالَ تَعالى: فَإنْ أُحْصِرْتُم فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ (196 - البقرة) أَي: مَا تَوَفَّرَ مِنَ الإبِلِ وَالبَقَرِ وَالشَّاةِ. وَقَولُه تَعالى: فَاقْرَأوا مَا تَيسَّرَ مِنَ القُرآنِ (20 - المزمل) ، تَخْفِيفٌ مِنَ اللهِ عَلى عِبادِه فِي قِيامِ الليلِ وَقِراءَةِ القُرْآنِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِم. وَالمَيْسَرَةُ: نَقيضُ المَيْمَنَةٍ، وَاليَسَارُ خِلافَ اليَمينِ، وَرَجُلٌ أَعْسَر أَيْسَر: يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَميعًَا، وَرَجُلٌ أَعْسَرَ: يَعْمَلٌ بِيَدِه اليُسْرَى.
الَيقِينُ: العِلْمُ وَإزَاحَةُ الشَكِّ وَتَحقِيقُ الأَمْرِ، وَأَصْلُه: يَقِنَ المَاءُ إذا سَكَنَ وَظَهَرَ مَا تَحْتَه بِوُضُوحٍ، وَقَد أَيْقَنَ يُوقِنُ فَهو مُوقِن. قَالَ تَعالى: وَإنَّه لَحقُّ اليَقِينِ (51 - الحاقة) ، إضَافَةُ الحَقِّ إلى اليَقِينِ لَيْسَ مِن إضَافَةِ الشيءِ إلى نَفسِه، لأنَّ الحَقَّ هُوَ غَيْرُ اليَقِين إنَّمَا هُوَ خَالِصُه وَأَصَحُّه فَجَرى مَجْرَى إضَافَةِ البَعضِ إِلى الكُلِّ، وَحَقُّ اليَقِين فَوْقَ عِلْمِ اليَقِين. وَاليَقِينُ: المَوْت، قَالَ تَعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِين (99 - الحجر) . وَقَولُه تَعالى: قَدْ بَيَّنَا الآياتِ لَقَوْمٍ يًوقِنُون (118 - البقرة) ، والآياتُ لا تُنْشِيءُ الَيقينَ وَإنَّمَا اليَقينُ هُو الذي يُدْرِكُ دَلالَتَها وَيُطَمْئِنُ إلى حَقِيقَتِهَا ويُهَيءُ القُلوبَ لِلَّتَلَقِّي الوَاصِلِ الصَحِيحِ، فَالذي يَجِدُ رَاحَةَ اليَقِينِ فِي قَلْبِه يَجِد فِي الآياتِ مِصْدَاقِيَّةَ يَقِينِه. قَالَ تَعالى: وَكَذلِكَ نُري إبراهيمَ مَلَكوتِ السَمَاوَاتِ والأَرْضِ وَلِيكُونَ مِنَ المُوقِنِين (75 - الأنعام) . وَأَيْقَنْتُ وَتَيَقَّنْتُ وَاسْتَيْقَنْتُ بِمَعنى وَاحِدٍ، وَهُوَ دَرَجَةُ العِلْمِ فَوق َالمَعْرِفَة والدِرَاسَةُ يَصْحَبُها ثَباتُ الحَقِّ وَسُكُونُ النَّفْسِ وَطَمًأْنِيَنَتِهَا. قَال تَعالى: وَجَحَدوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم ظُلْمًَا وَعُلُوًَّا (14 - النمل) ، تَيَقَنُوا أَنَّها مِنْ عِنْدِ اللهِ وَلَكِنَّهُم لَم يُقِرُّوا بِهَا تَكَبُّرًا عَنِ الإيمانِ بِمَا جَاءَ بِه مُوسى عليه السلام. وَكَذَلِكَ قَوْلُه تَعالى: وَمَا نَحْنُ بَمُسْتَيْقِنِين (32 - الجاثية) ، إنْكارٌ وَجَحْدٌ لِيومِ البَعْثِ. وفِي صِفَةِ المُؤْمِنينَ قَولُه تَعالى: والذينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ ومَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يُوقِنُون (4 - المائدة) ، يَعْلَمُون عِلْمًَا قَطعِيًَّا بِالنَّشْأَةِ الآخِرَةِ لا أَثَرَ فِيه لِلأدِّعَاءَاتِ الكَاذِبَةِ وَالأَوهامِ، مِنَ الإيقَانِ وَهُوَ التَحَقُّقُ. وَقَولُه تَعالى فِي المَسيحِ عليه السلام: وَمَا قَتَلوه يَقِينًَا (157 - النساء) ، أَي: مَا قَتَلوه قَتْلًا تَيَقَّنُوه، إنَّمَا حَكَمُوا تَخْمِينًَا وَوَهْمًَا. وَجاءَ فِي القَرآنِ الكَريمِ قَولُه تَعالى: عِلْمَ اليَقِين (5 - التكاثر) ، عَيْنَ اليَقينِ (7 - التكاثر) ، حَقُّ اليَقِين (90 - الواقعة) . وَعِلْمُ اليَقِين: أَي لَو تَعْلَمُونَ اليومَ مِنَ البَعثِ مَا تَعْلَمُونَه إذا جَاءَتْكُم نَفْخَةُ الصُّورِ لَشَغَلَكُم ذَلِكَ عَن التَّكاثُرِ بِالدُنْيَا. وَعَيْنُ اليَقينِ، أي: لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ بِعُيُونِ قُلُوبِكُم عِنْدَ المُعَايَنَةِ فَتَرَوْنَهَا يَقِينًَا لا يَغيبُ عَنْ عُيُونِكُم. وَحَقُّ اليَقِين، قَال قُتادة: إنَّ اللهَ لَيسَ بَتَارِكٍ أَحَدًَا مِنَ الناسِ حَتى يَقِفَ عَلى اليَقِينِ مِن هَذا القُرآنِ، فَأَمَّا المُؤْمِن فَأَيْقَنَ فِي الدَنْيَا فَنَفَعَه ذلِكَ يَومَ القِيامَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَأَيْقَنَ يَومَ القِيامَةِ حِينَ لا يَنْفُعُه اليَقِين.