تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ على ما أَنْفَقَ فِيها (42 - الكهف) ، أَي: يَقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظَهْرًا لِبَطْن تَلَهُفًَا وَأَسَفًَا عَلى ذَهابِ نَفَقَتِه التي أَنْفَقَ في جَنَّتِه، فِي إشارَةٍ إلى حَالِ النَّدَمِ ومَا يَتَعاطَاه فِي حَالِ نَدَمِه. وفِي حَديثِ الصَّدَقَةِ: كَأَنَّمَا يَضَعُها فِي كَفِّ الرَّحْمنِ، كِنايَةً عَن مَحَلّ القَبول، وإِلاَّ فَلا كَفَّ لِلرحمنِ، فَاللهُ سَبِحانَه لَيسَ كَمِثْلِه شيءٌ. وَأَصْلُ الكَفِّ: المَنْع، ومِنْ هَذا قيلَ لِطَرَفِ اليَد (كف) لأنَّها يُكَفُّ بِها عَن سائِرِ البَدَنِ وهِىَ الرَّاحَةُ مَعَ الأَصابِع. قَال تَعالى: وهو الذي كَفَّ أيْدِيَهُم عَنكُم وأَيْدِيِكُم عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّة مِنْ بِعْدِ أَنْ أظْفَرَكُم عَليهِم (24 - الفتح) ، رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشًَا بَعَثوا أرْبَعينَ رَجُلًا ليُصِيبُوا مِنْ أصْحَابِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فَأُخِذوا، فَعَفَا عَنهُم الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم وَخلّى سَبِيلَهُم، وَهِيَ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى فَصَانَ كُلًا مِنَ الطَرَفَيْنِ وَأَوجَدَ بَينهُم صُلْحًَا فيهِ خَيرٌ لِلمُؤمِنين في الدُنْيَا والآخِرَة. وَقَالَ تَعالى: وَإذْ كَفَفْتُ بَني إسْرائِيلَ عَنْكَ (110 - المائدة) ، ذلِكَ أنَّ بَنو إسرائيلَ كَذَّبوا عِيسى عَليه السلام وَسَعَوْا فِي قَتْلِه فَنَجَّاهُ اللهُ وَطَهَّرَه مِن دَنَسهِم. وقَالَ تَعالى في عَذاب الآخِرَةِ: لَوْ يَعْلَمِ الذينَ كَفَروا حينَ لا يَكُفُّونَ عَن وَجوهِهِم النارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِم (39 - الانبياء) ، فَالعذابُ مُحيطٌ بِهِم مِن جَميعِ جِهاتِهِم ولا نَاصِرَ لَهُم. والكَافَّةُ: الجَميعُ مِنَ الناسِ أَو الجَمَاعة يُقالُ: لَقِيتُهُم كَافَّةً، أي: كُلَّهُم، وقولُه تَعالى: وَما أَرْسلْناكَ إلا كَافة لِلنَّاسِ (28 - سبأ) ، أَي: لِلناسِ أَجْمَعين، العَرَبِ مِنْهُم والعَجَمِ، والأَحْمَرَ والأسْودَ، بَشيرًا لِمَن أَطاعَك وَنذيرًا لِمَن كَذَّبَك. وَقَولُه تَعالى: وَقَاتِلوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَمَا يُقاتِلونَكُم كَافَّةً (36 - التوبة) ، أَي: قَاتِلوهُم جَميعُكُم كَما يَقاتِلونكُم جَميعُهُم، وَذلِكَ أَنَّ الجَماعَةَ يُقال لَهُم الكَافَّة، وَعَلى هذا قولُه تَعالى: يَا أَيُّها الذينَ آمَنوا ادْخُلُوا فِي السِلْمِ كَافَّةً (208 - البقرة) . وَقيلَ مَعناه: ادْخُلُوا فِي جميعِ شَرائِعِه، وقِيلَ: ابلُغُوا فِي الإسلامِ إلى حيثُ تَنْتَهِي شَرائِعُه. وَتَكَفَّفَ الرجلُ: إذا مَدَّ يَدَه سائِلًا، وَاسْتَكَفَّ: إذا مَدَّ كَفَّهُ سائِلًا أَو دَافِعًَا. وَكَفَّةُ المِيزانِ تَشْبِيهٌ بِالكَفِّ فِي كَفِّهَا مَا يُوازَنُ بِها. وَفِي الحديثِ: لأنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدَعهُم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناس، مَعناه: يَسٍأَلونَ الناسَ بِأَكُفِّهِم يَمُدُّونَها إِليهِم. وَالكَفافُ مِنَ الرِّزْقِ: القُوتُ، وَهُوَ مَا كَفَّ عَن النَّاسِ، أَي: أَغْنَى. وفي الحديثِ: الَّلهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًَا، وَالكَفافُ مِنَ القُوتِ الذي عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِه لا فَضْلَ فيه وَلا نَقْص. وفِي الحديث: يَكُفُّ مَاءَ وَجْهِهِ، أَي: يَصُونُه وَيَجْمَعُه عَن بَذْلِ السَؤالِ، وَأَصْلُه: المَنْعُ.
الكَفَل: العَجُز، والكِفْلُ: مَا اكْتَفَلَ بِه الرَّاكِبُ وهو أَنْ يُدارَ الكِساءُ حَوْلَ سَنامِ البَعيرِ ثُمَّ يُرْكَب. والكَفَالَةُ: الضَّمَان، وَتَكَفَّلْتُ بِالشيْ ْ: أَلْزَمْتُ نَفسِي وأَزَلْتُ عَنه الضَيْعَةَ والذَّهَاب. قَالَ تَعالى: وَقَد جَعَلْتُم اللهَ عَليكُم كَفِيلًا (91 - النحل) ، شَاهِدًَا وَرَقيبًَا أَو ضَامِنًَا. وَقولُه تَعالى: إِذْ يُلْقًونَ أَقْلامَهُم أَيُّهُم يَكْفُلُ مَريَم (44 - ال عمران) ، وَكَانَت القُرْعَةُ فِي جَانِبِ زَكَرِيَّا عَليه السلام وَهُو زَوْجُ خَالَتِها. قَالَ تَعالى: وَكَفَّلَها زَكريا (37 - ال عمران) ، تَكَفَّلَ بِحَضانَتِها وَقامَ عَلي تَرْبِيَتِها وَرِعايَتِها. وفِي طُفُولَةِ مُوسى عَليه السلام قَولُه تَعالى: إذْ تَمْشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هُلْ أَدُلُكُم عَلى أَهلِ بَيْتٍ يَكفُلُونَه لَكم ... (12 - القصص) ، أَي: يَقُومونَ بِتَرْبِيَتِه وَرِعايَتِه. وفي الحديثِ: أَنَا وَكافِلُ اليَتيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذا وأَشارَ بِإصْبَعَيهِ السَبَّابَةِ والَوُسْطى، وفي الحديثِ: الرَابُّ (أَو الرَبيبُ) : كَافِل، وَهو زَوْجُ أُمِّ اليَتيمِ لأنَّه يَكْفُلُ تَرْبِيَتَه وَيَقومُ بِأمْرِه مَعَ أُمِّه. وفِي حديثِ وَفْدِ هَوازِن: وَأَنْتَ خَيرُ المَكْفولِين، يَعنِى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أَي: خَيْرُ مَنْ كُفِلَ فِي صِغَرِه وأُرْضِعَ وَرُبِّيَ حتى نَشَأ. والكِفْلُ: المِثْل، والكِفْلُ: الحظُّ والضِّعفُ مَنَ الأَجْرِ. قَالَ تَعالى: يُؤْتِكُم كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه (28 - الحديد) ، نَصيبَيْنِ مِنَ الأَجْرِ للإيمانِ بِه سُبَحانَه، أَي: كِفِيلَيْنِ مِنْ نِعْمَتِه فِي الدُنْيَا والآخِرَةِ، وهما المَرْغُوبُ إلى اللهِ تَعالى فِيهِمَا، وَقيلَ لَم يَعْنِ بِقَولِه: كِفْلَيْنِ، أَي: نِعْمَتَيْنِ بَل أَرادَ النِعمةَ المُتَوالِيَة المُتَكفِّلَة بِكِفايَتِه، وَيَكونُ تَثْنِيَةً عَلى حَدِّ مَا ذُكِر في قَولِهِم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وفِي