أي: ألا أَبْعَدَ الله مَدينَ مِن رَحمتِه وإحْلالِ نِقْمَتِه كما أَبْعَدَ ثَمود. وفي الدعاء: (بُعدًا له) نَصبُوه على إضمارِ الفعلِ غيرِ المُسْتَعمل إظهارُه، أي: أبعدَ اللهَ مَدْين، باعده مُبَاعَدَةً وبعادًا. و (بَعْد) و (قَبْل) : إسمان يكونان ظَرفَيْن اذا أُضيفا وأصلُهما الأضافة فمتى حَذفتَ المُضاف إليهِ لِعِلْمِ المخاطَب، بَنَيْتَهُما على الضمِّ لأنَّ إعرابَهما في الإضافة: النَّصْب والخَفْض، فَجُعِلَت غايَةُ الكلِمَة ما بَقِيَ بعدَ الحذْفِ كقولِه تعالى: لِلَّه الأمر مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ (4 - الروم) ، والمَعْنَى: لِله الأَمرُ من قبلِ انْ تَغْلِبَ الرومُ ومِن بَعدِ ما غَلَبَت، فَيَكونُ الرَّفْعُ دَليلًا على ما سَقَط. وإسْتَبِعَدَ: تَبَاعَدَ، وَاسْتَبْعَدَه: عَدَّه بَعيدًَا، وبَاعَده مُباعَدةً وبِعادا، وبَاعَدَ الله بينهُما. قال تعالى: فَقَالوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسفَارِنا (69 - سبأ) ، طَلَبوا بَطَرًا وطُغْيانًا أنْ يَجعلَ اللهُ بينهُم وبينَ تِلكَ القُرى العامِرَةِ مَفاوِزَ وصَحارى مُتبَاعِدَة الاقطار، والمعنى: أنَّهُم سئِموا الرَّاحّةَ وبَطِروا النِّعمَة. وقولُه تعالى: وما هي مِنَ الظَّالِمين بِبَعيد (83 - هود) ، قيلَ (بعيد) لأنَّ العذابَ والأنْتِقام والعِقاب لِلظَّالِمين في مَعنى واحدٍ، وكذلِكَ كلُّ تأنيثٍ ليسَ بِحَقيقيٍّ. وقولُه تعالى: بَل الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ في العَذابِ والضَّلال البَعيد (8 - سبأ) ، أي: الضَّلالِ الذي يَصْعُبُ الرُّجوعُ مِنهُ إلى الهُدى تَشَبُّهًا بِمَن ضّلَّ عَن محَجَّةِ الطريق بُعْدًا مُتَناهِيًَا، فلا يَكادُ يُرجَى له العَوْدُ إليَها. وقولُه تعالى: ومَا قَومُ لوطٍ منكُم بِبَعيد (89 - هود) ، أي: تُقارِبُونَهُم في الضلال، فَليسَ مُستَبْعَدًا أَنْ يَأتِيَكُم ما أَتاهُم مِنَ العذاب. والأبْعَد: الخائِن الخائِف. وفي الحديثِ أنَ رَجُلًا جاءَ فقال: إنَّ الأبعدَ قَد زَنى، مَعناهُ الَتَبُّعدُ عَنْ الخَيرِ والعِصْمَة. والأَباعِدْ خِلافَ الأَقارِب. والبُعَداء: الأَجانِب الذين لا قَرابَة بَيْنَنَا وبَيْنِهُم.
البعيرُ معروف، ويَقَعُ على الذَّكَر والأُنثى فيُقال للجملِ بعير ولِلناقة بعير، وأبعِرة جمع بعير وأباعِر جمع أبعرة (جمع الجمع) وجَمْعُه. قال تعالى: وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعيرٍ (72 - يوسف) ، والبَعر لِما يَسْقُطُ منه، والمَبْعَر: موضِعُ البَعر.
بَعضُ الشيءِ: طائِفَةٌ منه، مُذكَّر في جميعِ الوُجوه، وَبَعَّضْتُ الشيءَ تَبِعيضًَا فتبعَّض: فَرَّقتُه فتفَرَّق، والجمعُ: أبْعاض، قال تعالى: يلتَقِطْهُ بعضُ السيارةِ (01 - يوسف) ، بِالتأْنيثِ لأنَّ بَعضَ السيارةِ: سيَّارة. قال أَبو إسحاق في قولِه تَعالى: يُصِبْكُم بعضُ الذي يعِدُكُم (28 - غافر) : مِن لَطيفِ المَسائِل أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا وَعَد وَعْدًا وقَعَ الوعْدُ بأسرِه ولَمْ يَقَع بعضُه، فمِن أيْنَ جازَ أنْ يقولَ بعضُ الذي يَعِدكُم وحقَّ اللفظِ كلُّ الذي يعِدكم؟ وهذا بابٌ مِنَ النَّظَر يَذهَبُ فيه المُناظِر إلى إلزامِ حُجَّتِه بِأيْسر ما في الأمْرِ. وِليسِ في هذا مِعنى الكُلِّ وإنَّما ذَكَر البعضَ لِيوجِبَ له الكُلَّ، وقيل كأنَّ مُؤمِنَ آلِ فِرعون قال لهم: أَقَلُّ ما يَكونُ في صِدقِهِ أَنْ يُصبَكُم بعضُ الذي يَعِدُكُم وفي ذلِكَ هلاكُكُم. وفي قولِه تعالى: وَجَعلْنَا بعضَكُم لِبعضٍ فِتنَةً أَتَصبِرون (20 - الفرقان) ، أي: أَنَّ كُلَّ واحدٍ مُختَبَرٌ بِضدِه فالأَغنياءُ إمتحانٌ لِلفُقراء لِيُظهِر هل يَصبِرون، والفُقَراءُ إمتحانٌ للأغنياءِ لِيُظْهِرَ هل يَشكُرون، وهو تَسْلِيَةٌ لِلرسول صلى الله عليه وسلم عَن قَولِهِم: أَو يُلقَى إليه كَنْزٌ أَو تَكونَ لَهُ جَنَّة. وقولَه تعالى: لِيتَّخِذَ بعضُهم بَعْضًَا سُخرِيًِّا (32 - الزخرف) ، أي: لِيستَخْدِمَ بِعضُهُم بِعْضًا في حوائِجِهِم وَمَهامِّهِم، فَيكونُ بَيْنَ طائِفَةٍ مِنهُم وأُخرى مِنَ التَعاوُن والتَرافُدِ ما يَنْتَظِمُ بِهِ أَمرُ المَعاشِ والعُمران. والبَعوضُ ضَربٌ مِنَ الذُباب، الواحِدةٌ بَعوضة، بُنِيَ لفظُه مِن (بعض) وذلِكَ لِصِغَر جِسمِها بِالإضافَة، قال تعالى: إنَّ الله لايَستَحيي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعوضَةً فَما فَوقَها (26 - البقرة) ، فَفِي البَعُوضَةِ مِنَ المُعجِزاتِ ما يُشِيرُ إلى بَعضِ القُدْرَةِ الإلهِيَّة: ثَلاثَةُ قُلوب، مِائَةُ عّيْن، خُرطومٌ بِسِتَّة