مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَني فيهِ رَبِّي. وفِي الإعْفاءِ مِنَ القِتالِ قَال تَعالى: لَيْسَ عَلى الأَعْمَى حَرَج (17 - الفتح) . وَلا يَقَعُ هَذا النَعْتُ على العَيْنِ الواحِدَة لأَنَّ المَعنى يَقَعُ عَليهِما جَميعًَا، يُقال: عَمِيَت عَيْنَاه، وامْرَأتانِ عَمْياوَان وَنسِاءٌ عَمْياوَات. قَالَ تَعالى: وَنَحْشُرُه يومَ القِيامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وَقَد كُنْتُ بَصيرًا قَالَ كَذلِكَ أتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسيتَهَا وكذلِكَ اليومَ تُنْسَى (124 و 125 و 126 - طه) . وَقَوْلُهُم مَا أَعْماه إنَّما يُرادُ مَا أعْمَى قَلْبَه لأنَّ ذَلِكَ يُنْسَبُ إليهِ الكثيرُ الضَلالِ، وَلا يُقالُ في عَمَى العُيُونِ مَا أَعْمَاه لأنَّ مَا لا يَتَزَيَّد لا يُتَعَجًّبُ مِنه. قَال تَعالى: وَهُوَ عَليهِم عَمَىً أُؤلئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعيد (44 - فصلت) ، أَي: اَنَّ القُرآنَ الكَريم عَلى الذينَ لا يُؤمِنونَ بِه ظُلْمَةٌ وَشُبْهَة مُسْتَوْلِيَةً عَليهِم فَلا يُبْصِرون حُجَجَهُ وَمَواعِظَه، قَرَأَها ابنُ عَباس (عَم ٍ) عَلى أنَّها نَعْت، تَقُول: أَمْرٌ عَم ٍ وَأُمورٌ عَمِيَّة وَرَجُلٌ عَمٍ في أمْرِه. وَرَجُلٌ أَعْمَى البَصيرَةِ: أَعْمَى القَلبِ، أَي: جَاهِل، قال تعالى: فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46 - الحج) . وقولُه تَعالى: وَمَنْ كانِ في هذِه أعْمَى فهو في الآخِرَةِ أَعْمِى وَأَضَلُّ سَبيلًا (72 - الإسراء) ، قَالَ الفَراء: عَدَّدَ نِعَمَ الدُنْيَا على المُخَاطَبين ثُمَّ قَال: مَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى، يَعني فِي نِعَمِ الدُنْيَا التي قَصَصْناهَا عَليكُم فَهو فِي نِعَمِ الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبيلًا، وقَوْلُه تَعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (18 - البقرة) ، جَعَلَهُم في تَرْكِ العَمَلِ بِما يُبْصِرون وَوَعْي مَا يَسْتَمْعون بِمَنْزِلَةِ المَوتى لأنَّ مَا بَيْنَ قُدْرَتِه وَصَنْعَتِه التي يِعْجَزُ عَنها المَخْلوقون دَلِيلٌ عَلى وَحْدَانِيَّتِه. وَلِذا قيلِ أَنَّ العَمى: إفْتِقَادُ البَصَر والبَصيرَةِ، وَيُقالُ في الأَوَّلِ: إعْتَمَى، وفي الثاني: أَعْمَى وَعَمٍ. وَضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثلًا في المُؤمِنين والكافِرين فِي قولِه تَعالى: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصيرُ وَلا الظُلُماتُ وَلا النُّور وَلا الظِلُّ وَلا الحَرور (18 و 20 - فاطر) ، مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ لِلمُؤمِنين والكَافِرين، فَالمُؤمِنُ هُوَ البَصيرُ وَالنُّورُ والظِلُّ، والكَافِرُ هُوَ الأَعْمَى والظُّلُماتُ والحَرُّ الدائِم. وعُمِّيَ عَليه: خَفِيَ عَنْه، قَال تَعالى: فَعُمِّيَت عَليكُم أَنٌلْزِمُكُمُوها وَأَنتم لَها كَارِهون (28 - هود) ، أَي: أُخْفِيَت عليكُم عُقوبَةٌ لَكُم، والضَميرُ لِلبَيِّنَة أَو الرَّحْمَة بِمَعنى النُبُوَّةِ، وَقُرِئَ: عَمِيَت، أي: خَفِيَت، كَقَولِه تَعالى: فَعَمِيَت عَليهِم الأنْبَاءُ يَومئِذٍ (66 - القصص) ، خَفِيَت وَاشْتَبَهَت عَليهِم الحِجَجُ. وَهَكَذا كُلَّمَا ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَل (العمى) في كِتابِه الكَريم فَذَمَّه، يُريدُ عَمَى القَلْبِ والَبصيرَة، كَمَا في الآياتِ: وَهُوَ عَليهِم عَمَى، فَعَمُوا وَصَمُّوا، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُم لا يَرْجِعون، بَلْ هُم مِنْها عَمُون، إنَّهُم كَانوا قَوْمًَا عَمِين، فاسْتَحَبُّوا العَمَى على الهُدى، لَمْ يَخِرُّوا عَليَها صُمًَّا وَعُمْيَانًَا، بَالإضَافَةِ إلى الآياتِ المُشارِ إلَيْها آنِفًَا. وَفِي الحديثِ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الأعْمَيَيْنِ: هُمَا السَّيْلُ والحَريق، لأَنَّهُما إذا حَدَثَا وَوَقَعا لا يُبْقِيِانِ مَوْضِعًَا ولا يَتَجَنَّبَانِ شَيْئًَا، كَالأعْمَى الذي لا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُك، فَهُوَ يَمْشي حَيْثُ قَادَتْهُ رِجْلاَه.
العِنَبُ يُقالُ لِثَمَرةِ الكَرْمِ، ولِلكَرْمِ نَفْسِه، واحِدَتُه: عِنَبة، قالَ تَعالى: أَو تَكونَ لَكَ جَنَّةُ مِنْ نَخيلٍ وَعِنَبٍ (90 - الإسراء) . والجَمْعُ: أَعْناب، قَالَ تَعالى: وَمِن ثَمَراتِ النَخيلِ والأَعْنابِ (67 - النحل) والعِنَب: الخَمْر، والخَمْر: العِنَب، وَرَجُلٌ عَنَّاب: يَبيعُ العِنَب. وَصَاحَبَ الكلِمَةَ (النخيل) في عَدَدٍ مِنَ الآيات. والعنَّابُ: مِنَ الثَمَر، واحِدَتُه: عُنَّابَه.
أَصْلُ العَنَت: إنْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْر، فاسْتُعيرَ لَكُلِّ مَشَقَّةٍ وَضَرَر. وَالعَنَت-بفتحتين - الإثْمُ والفَسادُ والضِيقَ والهَلاكُ والخَطَأُ والزِّنَى. في مَلْحَظِ المَشَقَّةِ استُعْمِلَت الكَلِمَةُ في الإعناتِ والمُعانَتَة بِما فِيها مِنْ عُنْفِ الإلحاحِ عَلى المُعْنِت بِما يَشُقُّ عَليه. قَالَ تَعالى: واعْلَمُوا أنَّ