والثَبَات والصَبْرُ عَلى الشَدائِد والأَذَى والقيامِ بأعباء الرِّسالَة. وفي آدمَ عليهِ السلام قَالَ تَعالى: وَلَقَد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وِلَم نَجِدْ لَه عَزْمًا (115 - طه) ، أَي: مُحافَظَةً على ما أُمِرَ بِه وعَزيمَةٍ عَلى القِيَام، إذْ أَنَّه نَسِيَ العَهْدَ بِعَدَمِ الإقْتِرابِ مِنَ الشَجَرَةِ. وَفي وَصِيَّةِ لُقمَان لإبْنِه: واصْبِر على مَا أَصابَكَ إنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور (17 - لقمان) : تَحريضٌ لَلصَّبْرِ عَلى أَذى الناسِ. وفي قولِه تَعالى: وإنْ عَزَموا الطلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَميعٌ عَليم (227 - البقرة) فيه دَلالَة على أَنَّ الطَلاقَ لا يَقَعُ بَمُجَرَّدِ مُضِيِّ فَتْرَةِ الإيلاءِ وَهِيَ أَرْبَعَةٍ أَشْهُر، ولِذَا جاءَ في النَصِّ: فَاِن عَزَمُوا. والعَزيمَة: تَعويذٌ، كَأَنَّه تُصُوِّر أَنَّكَ قَد عَقَدْتَ بِهَا عَلى الشيطانِ أَنْ يُمضِيَ إرادَتَه فِيكَ، وَجَمْعُهَا: العَزائِم.
العَزَاء: الصبْرُ عَنْ كل ما فَقَدتْ، وَعَزا الرجلُ إلى أَبيه عَزْوًَا وعِزْيًَا: نَسَبَه إليهِ. والعِزَة: عُصْبَة مِنَ الناس، يُقالُ في الدَارِ عِزْوَة، أَي: أَصناف مِنَ الناس. فَكَأَنَّهٌم الجَماعَة المٌنْتَسِبْ بعضُهُم إلى بَعض: إمَّا في الوِلاَدَة، أَو في المُصَاهَرَة، ومَنْهُ الإعْتِزَاء في الحَربِ وهو أَنْ يَقولَ أَنا إبْنُ فُلان، وصاحِبُ فُلان، قَالَ تَعالى: عَن اليَمينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِين (37 - المعارج) ، أَي: جَمَاعاتِ مُتَفَرِّقِين عَن يَمينِكَ وَعَن شِمَالِكَ، وَكَانوا يَجْتَمِعَون حَلَقًا عِنْدَ الكَعْبَةٍ فإِذا صلى الرسول عليه السلام أَو قَرَأِ يَسْتَهْزِئون بِه، فَنَزَلَت الآية. وَيْبَقى للفظُ (عِزِين) فِي سِياقِه دَلالَةُ مَادَّتِه عَلى الإعْتِزاءِ والإنْتِماءِ وِكِأَنَّهُم الجَماعَةُ المُنْتَسِبُ بَعْضُها إلى بَعض. و (عزين) : مِنْ عَزَا عَزَاءً فَهو عَزٍ: إذا تَصَبَّر وَتَعَزَّى، أَي: تَصَبَّر وَتَأَسَّى، فَكَأنَّها إسمٌ لِلجمَاعَةِ التي يَتَأسَّى بَعْضُهُم بِبَعْض.
العُسْرُ ضِد اليُسْر، وهُوَ الضِّيقُ والشِدَّة والصُّعُوبَة. قَالَ تَعالى: سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًَا (7 - الطلاق) ، وقَالَ تَعالى: يَقولُ الكافِرونَ هَذا يومٌ عَسِر (8 - القمر) ، فَذلِكَ يَومَئِذٍ يَومٌ عَسير (9 - المدثر) : هُوَ يَومٌ شَديدُ الهَوْلِ وعَبُوسٌ قَمْطَرِير على الكَافِرِين، تَشيبُ لَه الوِلْدانُ، وَتَرى الناسَ سُكارَى ومَا هُم بِسُكارَى. والإسْم: العُّسْر، قَالَ تَعالى: يُريدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُم العُسْر (185 - البقرة) ، في التَكالِيفِ والعِبادَاتِ والتَيْسيرِ على الناسِ كَالمَريضِ والمَسافِرِ وَذَوِي العَاهَات. وقولُه تَعالى: ولا تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا (73 - الكهف) ، مَا قَالَه مُوسى عَليه السلام لِلعبدِ الصالِحِ أَلا يُضَيِّقَ عليهِ وَلا يُشَدِّد. وقَولُه تَعالى: فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراَ إنَّ مَعَ العَسْرِ يُسْراَ (5 و 6 - الشرح) ، أَي: فَإِنَّ بَعْدَ الشِدَّةِ التي أَنْتَ فِيها مِنْ مُقَاسَاةِ بَلاءِ المُشْرِكين يُسْراَ عَظيمًَا. والعُسْرَةُ والعُسْرَى مُؤَنَّثُ الأَعْسَر. قَال تَعالى: الذينَ إِتَّبَعوه في سَاعَةِ العُسْرَة (117 - التوبة) ، أَي: فِي الشِدَّةِ والضِّيقِ وَكانَ ذلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوك، وَسُمَيَت (غَزْوَةُ العُسْرَة) لأنَّها كانَت فِي حَرٍّ شَديدٍ عَلى قِلَّةِ الظَّهْرِ وقِلَّةِ الزَادِ والمَاءِ حَتى أَصابِهُم جَهْدٌ شَديد. وَقَال تَعالى: و إنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلي مَيْسَرَة (280 - البقرة) ، أَمْرٌ بِالصَبْرِ عَلى المَدينِ المُعْسِر الذي لا يَجِدُ وَفَاءً، وفي الحديثِ فِي صِفَةِ التُجَارِ: وإنْ كانَ عليهِم لَم يَمْطُلُوا وإنْ كانَ لَهُم لَمْ يُعَسِّروا. وَأَعْسَرَ فُلانٌ: أَضاقَ، وتَعاسَر القَومُ: طَلَبوا تَعْسيرَ الأَمْرِ، قَالَ تَعالى: وَإنْ تَعاسَرْتُم فَسَتُرْضِعُ لَه أُخْرى (6 - الطلاق) . وَيَومٌ عَسير: يَتَصَعَّبُ فِيهِ الأَمْرُ، قَالَ تَعالى: وَكانَ يَوْمًَا عَلى الكافَرينَ عَسيرًا (26 - الفرقان) ، صِفَةٌ غَالِبًَا مَا وُصِفَ بِه يومُ القِيامَة. وَقَال تَعالى: فَسَنُيَسِّرُه لِلعُسْرَى (10 - الليل) ، لِلخُصْلَةِ التي تُؤَدِّي إلى عُسْرِ وَشِدَّة وهي الأَعْمَالُ السَّيِّئَة التي تُورِثُ الخِزْيَ في الدُنْيَا والآخِرَة، وَرُبَّ سائِلٍ: كَيْفَ قَال اللهُ تَعالى: (فَسَنُيَسِّرُه لِلعُسْرِى) ، وهل في العُسْرَى تَيْسيرٌ؟ قِيلَ هَذَا في جَوازِهِ بِمَنْزِلَةْ قولِه تَعالى: