الفَتْلُ: لَيُّ الحَبلِ وغيرِه فَهو مَفْتُولٌ. والفَتيلُ: حَبْلٌ دَقيقٌ مِن لِيفٍ وَغيِره. والفَتيلُ: هُو الخيطُ الذي في شَقِّ النَّوَاة يُضْرَبُ مَثَلًا في القِلَّةِ والحَقَارَة. قَال تَعالى: وَلا يُظْلَمون فَتيلًا (77 - النساء) ، أَي: قَدْرَ فَتيل، وَهُوَ كِنَايَةً عَن أَنَّهُم لا يُنْقَصُون أَدْنى شَيءٍ مِن ثَوابِهِم. وَوَرَدَ في حديثِ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب: لَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ في الذَرْوَةِ والغَارِب، وَهُوَ مَثَلٌ فِي الَمخَادَعَة.
أَصْلُ الفَتْنِ: إِذابَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالنارِ لِتَمييزِ الرَّدِئِ مِنَ الجَيِّد، وَيُسَمَّى الصائَغُ: الفَتَّان. وَكَذا الشيطان، ثُمَّ استُعْمِلَ في الإخْتِبارِ والإمْتِحانِ بِالمِحَن والشَدائِد لِما فيهِ مِنْ إظهارِ الحَالَةِ الحَقِيقِيَّةِ. قَال تَعالى: أَحَسِبَ الناسُ أنْ يَقُولوا آمَنَّا وهُم لا يُفْتَنُون (2 - العنكبوت) ، وقولُه تَعالى: وَلَقَد فَتَنَّا الذينَ مِنْ قَبْلِهم فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ صَدَقوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكافِرين (3 - العنكبوت) ، فَهو إخْتِبَارٌ بِمشاقِّ الَتكالِيف كَالمُهاجَرَة والجِهادِ وَوَظائِفِ الطاعَاتِ لِتَمييزِ المُخْلِصِ مِنَ المُنافِقِ وَقَوِيِّ الإيمانِ مِن ضَعيفِه، واللهُ سُبحانه وَتَعالى يَعْلَم مَا كانَ وَمَا يَكونُ وَمَا لَم يَكُن لَو كانَ كَيفَ يَكون، قال تَعالى: وَجَعَلْنَا بَعضَكُم لَبَعضٍ فِتْنَةً (20 - الفرقان) ، أي: كُلُّ واحدٍ مُخْتَبَرٌ بِضِدِّه، فَالأغنياءُ إمْتِحانٌ لِلفُقَراء وَهَكَذا. وَابْتُلِيَ الأنْبِياءُ، قَال تَعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًَا (40 - طه) ، لِموسى عَليه السلام، إبْتَلَيْنَاكَ بِالمِحَنِ وَخَلَّصْناكَ مِنها. كَما ابْتُلِيَ الُمنافِقون ولكِنَّهُم لَمْ يَعْتَبِروا وَلَم يَتُوبوا، قَالَ تَعالى: اَوَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَو مَرَّتَيْن ثُمَّ لا يَتوبُونَ ولا هُم يَذَّكَّرُون (126 - التوبة) ، كان إبتلاؤُهُم بِالشدائِدِ كَالقَحْطِ والحُروب، وهذا إشارةٌ إلى قولِه تَعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بَشيءٍ مِنَ الخَوْفِ (155 - البقرة) . وَجُعِلَت الفِتنةُ فَيما يُدفَعُ إليه الإنسانُ مَنْ شِدَّةٍ وِرِخاء، وِهُمَا فِي الشِدَّةِ أَظْهَر مَعنىً وأَكْثَرُ إسْتِعْمِالًا، وقالَ تَعالى فِيهِما: وَنَبْلُوكُم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً (35 - الأنبياء) ، وَلِذا فَإنَّ الفِتْنَةَ مِنَ الأَفْعالِ التي تَكونُ مِنَ اللهِ تَعالى، ومِنَ العَبْدِ كَالبَلِيَّةِ والمُصيبَةِ والقَتْلِ والعَذابِ وَغيرِ ذلِكَ مِنَ الأَفعالِ الكَريهَةِ، وَمَتى كانَ مِنَ الله يَكونُ عَلى وَجْهِ الحِكْمَةِ كَابْتِلاءِ الأَنْبِيَاءِ والمُؤْمِنين، ومَتى كانَ مِنَ الإنسانِ بِغَيرِ أَمْرِ الله يَكونُ بِقَصْدِ ذلِك، ولِهذا يَذُمُّ الله الإنسانَ بِأنواعِ الفِتْنَةِ فِي كُلِّ مَكان، قَال تَعالى: والفِتْنَةُ أَشّدُّ مِنَ القَتْلِ (191 - البقرة) ، وقال تَعالى: فِما آمَنَ لِموسى إلا ذُرِّيةٌ مِنْ قَومِه عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرعون وَمَلَئِهِم أَنْ يَفْتِنَهُم (83 - يونس) ، أَي: يُعيدُهُم إلى الكُفْرِ بِما لَه مِن جَبَرُوت. وقَالَ تَعالى: إنَّ الذينَ فَتَنوا المُؤمِنين والمُؤْمِناتِ (10 - البروج) ، أَصحابُ الأخدودِ، المُؤْمِنون الذينَ عَذَّبَهُم المُشْرِكُون لِيَرُدُّوهُم عَن ديِنِهم. والفِتْنَةُ قَد تَعني التَشكيكَ والتَدْلِيسَ كَمَا في قَوْلِه تَعالى: أَمَّا الذينَ كَفَروا فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه مِنه إبْتِغَاءَ الفِتِنَةِ (7 - آل عمران) ، لإثَارَةِ الشُبْهَةِ. وَقَولُه تَعالى تَحذيرًَا للأنْبِياءِ عَليهِم صَلواتُ اللهِ: واحْذَرْهُم أَنْ يَفْتِنوكَ عَنْ بَعضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ (49 - المائدة) ، بِتَصويرِ البَاطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ أَو بِالكَذِبِ بِشأْنِ التَورِاةِ أَو في صَرْفِه عَمَّا أُوحِيَ إليه، وَقَوْلُه تَعالى: وإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونُكَ عَن الذي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلينَا غَيْرَه (73 - الإسراء) ، وَتَحْذيرًا لِلمُؤمِنين: وَقاتِلوهُم حَتى لا تَكونَ فِتْنَةٌ (39 - الأنفال) ، لا يُوجَد شِرْك. وفي عَذابِ الآخِرَةِ قولُه تَعالى: يَومَ هُم على النارِ يُفْتَنُون (13 - الذاريات) ، يُعَذَّبُونَ يومَ القِيامَةِ. والفِتْنَة قَد تَكونُ بِمَعنى المَعْذِرَة أَو التَبْريرُ، قَالَ تَعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُم إلا أَنْ قَالوا واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين (23 - الأنعام) . أَو بِمَعنى العُقُوبَةِ، قَال تَعالى: وَحَسِبوا ألا تَكونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا (71 - المائدة) ، أي: ظَنُّوا أَلا يُعَاقَبوا. وَقَد تَكونُ الفَتْنَةُ نَاشِئَةً مِنَ الأنسانِ نَفسِه كَما في قولِه تَعالى: وَلَكِنَّكُم فَتَنْتُمْ أَنْفُسِكُم (14 - الحديد) ، بِالَّلذاتِ والَمعاصِي والشَّهَواتِ في الحَياةِ الدُنْيَا، وَقَالَ تَعالى: واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصيبَنَّ الذينَ ظَلَموا مِنْكُم خَاصَّة (25 - الأنفال) ، وقولُه تَعالى: ومِنْهُم مَنْ يَقولُ ائْذَن لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطوا (49 -