وَقَوْلُه تَعالى: هَذا كِتابُنَا يَنْطِقُ عَليكُم بِالحَقِّ (29 - الجاثية) ، فَإنَّ الكِتَابَ نَاطِقٌ لَكِنْ نُطْقَهُ تُدْرِكُه العَيْنُ، كَمَا أَنَّ الكَلامَ كِتابٌ لَكِن يُدْرِكُه السَّمْعُ. وَقَولُه تَعالى: وَقَالوا لَجُلُودِهِم لِمَ شَهِدْتُم عَلَيْنَا قَالوا أنْطَقَنا اللهُ الذي أَنْطَقَ كُلَّ شيءٍ (21 - فصلت) ، فَقَد قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَكونُ بِالصَّوْتِ المَسْمُوعِ، وَقِيلَ: يَكونُ بَالإعْتِبَارِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكونُ فِي النَّشْأَةِ الآخِرَة، وَقِيلَ: حَقِيقَةُ النُّطْقِ الَّلْفظُ الذي هُوَ كَالنِّطَاقِ لِلمَعْنَى فِي ضَمِّهِ وَحَصْرِه. وَالنِّطَاقُ كُلُّ مَا شُدَّ بِه وَسَطُه، وَكانَ يُقَالُ لأَسماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْه: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ لأَنَّها شَقَّتْ نِطَاقَها نِصْفَيْنِ فَاسْتَعْمَلَت أَحَدَهُما وَجَعَلَت الآخَرَ شِدَادًَا لِلزِّادِ الذِي كَانَتْ تَحْمِلُه إلى الرسولِ صَلى الله عليه وَسَلَّم وَأَبيهَا أَثْنَاءَ الهِجْرَةِ.
النَّظَرُ: حِسُّ العَيْنِ، نَظَر يَنْظُرُ نَظَرًَا وَمَنْظَرًا، وَالنَّظَرُ: تَقْليبُ البَصَرِ وَالبَصِيرَةِ لإدِرَاكِ الشيءِ وَرُؤْيَتِه، وَقَد يُرادُ التَأَمُّلُ وَالفَحْصُ، وَقَد يُرادُ بِه المَعْرِفَة الحَاصِلَةُ بَعدَ الفَحْصِ، وَهُوَ الرَّوِيَّة. وَنَاظِرَةُ العَيْنِ: النُّقْطَةُ السَّوْدَاءُ الصَّافِيَة التي فِي وَسَطِ سَوادِ العَيْنِ وَبِها يَرَى النَّاظِرُ مَا يَرَى. يُقَالُ: نَظَرْتَ فَلَم تَنْظُر، أَي: لَمْ تَتَأَمَّل وَلَمْ تَتَرَوَّ، وَقَولُه تَعالى: قَل انْظُرُوا مَاذا فِي السَّمَاواتِ (101 - يونس) ، أَي: تَأَمَّلُوا. وَاسْتِعْمالُ النَّظَرِ فِي البَصَرِ أَكْثَرُ عِندَ العَامَّةِ، وَفِي البَصِيرَةِ أَكْثَرُعِنْدَ الخَاصَّةِ. قَالَ تَعالى: وُجُوهٌ يَوَمئِذٍ نَاضِرَة إلى رَبِّهَا نَاظِرَة (22 و 23 - القيامة) الأُولى بِالضَّادِ وَالأُخْرَى بِالظَاءِ، أَي: نَضِرَت بِنَعيمِ الجَنَّةِ والنَّظَرِ إلى رَبِّهَا عَزَّ وَجَل. وَيُقالُ: نَظَرْتَ إلى كَذَا: إذا مَدَدْتَ طَرفَكَ إِليه رَأَيْتَه أَوْ لَمْ تَرَه، وَنَظَرْتَ فِيه: إذا رَأَيْتَه وَتَدبَّرْتَه، قَال تَعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلى الإِبِلِ كَيفَ خُلِقَت (17 - الغاشية) . نَظَرْتَ فِي كَذَا: تَأَمَّلْتَه، قَالَ تَعالى: أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكوتِ السَّماواتِ والأَرْضِ (185 - الأعراف) ، فَذلِكَ حَثٌّ عَلى تَأَمُّلِ حِكْمَتِه فِي خَلْقِهَا. وَنَظَر اللهِ تَعالى إِلى عِبادِه: هَوَ إِحْسَانَه إِليهِم وإَفَاضَةُ نِعَمِه عَليهِم، قَالَ تَعالى: وَلا يُكَلِّمُهُم اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِم يَوْمَ القِيَامَةِ (77 - أل عمران) . وَقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُم وَأَمْوالِكُم وَلكِنْ إلى قُلُوبِكُم وَأَعْمالِكُم. وَقَال صلى الله عليه وسلم: لا تُتْبِعِ النَظْرَةَ فَإنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَت لكَ الآخِرَة. وَالنَّظَرُ: الإنْتِظَارُ، يُقال: نَظَرْتُه وَانْتَظَرْتُه وَأَنْظَرْتُه، أَي: أَخَّرْتُه، قَالَ تَعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أَيَّامِ الذينَ خَلَوْا مِنْ قَبِلِهِم قُل فَانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُم مِنَ المُنْتَظِرِين (102 - يونس) ، وَقَالَ تَعالى: وَمَا كَانوا إذًا مُنْظَرِين (8 - الحجر) . وَقَوْلُه تَعَالَى: فَمَا بَكَت عَليهِم السَّماءُ وَالأرضُ وَمَا كَانوا مُنْظَرِين (29 - الدخان) ، وَمَا كَانوا مُؤَخَّرِينَ لِلتَوْبَةِ، فَنَفَي الإنْظَارَ عَنْهُم إشارَةً إلى قَولِه تَعالى: فَإذا جَاءَ أَجَلُهُم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون (34 - الأعراف) . وفِي قَولِه تَعالى: إلى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاه (53 - الأحزاب) ، أَي: غَيْرَ مُنْتَظِرِين. وَأَمَّا قولُه تَعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُر إلَيْكَ (143 - الأعراف) ، ذَلِكَ أَنَّ مُوسى عَليه السَّلام لَمَّا كَلَّمَه رَبُّه تَبارَك وَتَعالى إشْتَاقَ وَأَحَبَّ أَنْ يَراه سُبْحانَه، وَنَعْرِفُ مَا جاءَ فِي القُرْآنِ الكَريمِ بَعْدَ طَلَبِ مُوسى عَليهِ السلام، فَرُؤيَةُ اللهِ تَعالى مُسْتَحِيلَةٌ عَلى أَحَدٍ مِن خَلْقِه فَهُوَ سُبْحانَه لا يَحُدُّه مَكانٌ وَلا زَمانٌ وَلَيسَ كَمِثْلِه شَيءٌ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمين. وَيُسْتَعْمَلُ النَّظَرُ فِي التَحَيُّرِ فِي الأُمورِ، نَحوَ قَولِه تَعالى: وَتَراهُم يَنْظُرُونَ إِليكَ وَهُم لا يُبْصِرُون (198 - الأعراف) ، وَهُوَ نَظَرٌ عَن تَحَيُّر دَالٍ عَلى قِلَّةِ الغَنَاءِ. وَقَولُه تَعالى: وَأغْرَقْنَا آلَ فِرعونَ وَأَنْتُم تَنْظُرُون (50 - البقرة) ، قَيلَ مُشاهِدُون، وَقِيلَ: تَعْتَبِرُون. وَحَيٌّ نَظَر، أَي: مُتَجَاوِرُون، يُقَالُ دَارِي تَنْظُرُ إلى دَارِ فُلان، أَي: تُقَابِلُ أَو تُحاذِي. وَالنَّظِيرُ: المَثِيلُ، وَأَصْلُه المُنَاظِرُ، وَكَأَنَّه يَنْظُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا إلى صَاحِبِه. وَالمُنَاظَرَة: المُبَاحَثَة وَالمُبَارَاة فِي النَّظَرِ، وَاسْتِحْضَارُ كُلِّ مَا يَراه بِبَصِيرَتِه، وَالنَّظَرُ: البَحْثُ. وَالنَّظائِرُ جَمْعُ نَظِير وَهُوَ المِثْلُ وَالشَبَه فِي الأَشْكالِ، الأَخْلاقِ وَالأَفْعالِ وَالأَقْوالِ. وَقِيلَ: لا تَجْعَل شَيْئًَا نَظيرًَا لِكِتابِ اللهِ سُبْحانَه وَلا لِكَلامِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وَسَلَّم فَتَدَعَهُمَا وَتَأْخُذُ بِه.