فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 831

هَذا التَساؤُلِ مِنَ المُشْرِكِين يَسْتَبْعِدُونَ فِيهِ أنْ يُظْهِرَ اللهُ رَسولَه صلى الله عليه وسلم عَليْهِم إنْكارًَا واسْتِهْزاءً. وَقَالَ تَعالى: حَتَّى يَقولَ الرَّسولُ والذينَ آمَنوا معه مَتى نَصْرُ اللهِ (214 - البقرة) ، هُوَ تَساؤلُ اسْتِبْطَاءٍ لِتَناهِي الشِدَّةِ عَليهِم يومَ الأحْزابِ، فَقَد أُصِيبُوا بِأنْواعِ البِلاءِ وَلكِنَّهُم كَانوا عَلى يَقينٍ من نَصْرِ الله تَعالى لهُم.

مِثْل: كَلِمَةُ تَسْوِيَة، يُقالُ هَذا مِثْلُه وَمَثَله كَمَا يُقالَ شِبْهُه وشَبَهُه، والمَثَل وَالمَثيلُ كَالمِثِلِ، والجَمْعُ: أَمْثال، وَهُما يَتَمَاثَلان، وَقِيلَ الفَرْقُ بَيْنَ المُمُاثَلَة وَالمُساوًاة: أَنَّ المُساواة تَكونُ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ فِي الجِنسِ وَالمُتَّفِقَيْنِ، لأنَّ التَّساوِي هُوَ التَكافُؤُ فِي المِقْدارِ لا يَزيدُ وَلا يَنْقُص كَقولِه تَعالى: مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَه عَشْرُ أمْثَالِهَا (160 - الانعام) ، وَأَمَّا المُمَاثَلة فَلا تَكونُ إلا فِي المُتَّفِقَيْنِ، تَقولُ: لَوْنُه كَلَونِه وَطَعْمُه كَطَعْمِهِ، فَإذا قِيلَ هو مِثله على الإطْلاقِ فَمَعنَاه أَنْ يَسُد مَسدَّه. قَالَ تَعالى: قُلْ لَئِن إجْتَمَعت الإنسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه (88 - الاسراء) ، فِي بَلاغَتِهِ وَحُسْنِ نَظْمِه وَأُسْلوبِه البَديعِ ومَا اشْتَمَلَ عَليهِ مِن أحْكامٍ وَتَشرِيعاتٍ وأخْبارِ الأُمَمِ السابِقَةِ وَغَيرِه كَثير. وَقِيلَ أَنَّ النِدَّ يُقالُ فِيمَا يُشارِكُ الجَوْهَرَ فَقَط، وَالشَبَه يُقالُ فِيما يُشارِكُ فِي الكَيْفِيَّةِ فَقَط، والمُساوِي يُقال فِيمَا يُشارِكُ فِي الكَمِيَّةِ فَقَط، والشَّكْلُ يُقالُ فِيمَا يُشارِكُهُ فِي القَدْرِ والمَساحَةِ فَقَط، والمِثْلُ عَامٌّ فِي جَميعِ ذلِك، ولِهَذا لَمَّا أَرادَ اللهُ تَعالى نَفْيَ الَتشبِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ خَصَّه بِالذِكْرِ فَقَال سُبحانَه: لَيْسَ كَمِثْلِه شَيءٌ (11 - الشورى) ، وَأَمَّا الجَمْعُ بَيْنَ (الكافِ) وَ (المِثْل) فَقَد قِيلَ: ذَلِكَ لِتأْكِيدِ النَّفْيِ تَنْبِيهًَا عَلى أَنَّه لا يَصِحُّ اسْتِعْمالُ (المِثل) وَلا (الكَاف) ، فَنَفَى بِ (ليس) الأَمْرَيْنِ جَميعًَا، وَقيلِ المِثْل هَهُنَا هُوَ بِمَعْنَى الصِّفَة، وَمَعْنَاه: لَيْسَ كَصِفَتِه صِفَة تَنْبِيهًَا عَلى أَنَّه وَإنْ وُصِفَ بِكَثيرٍ مِمَّا يُوصَفُ بِه البَشَر، فَلَيْسَ تِلْكَ الصِفاتِ لَهُ عَلى حَسَبِ ما يُسْتَعْمٍل فِي البَشَرِ وَلِذَا قَالَ سُبْحانَه: وَلِله المَثَلُ الأَعْلى (60 - النحل) ، قِيلَ هُوَ قَوْلُ: لا إلَه إلا الله، وَأَنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بِالتَّوْحيدِ وِنَفَي كُلَّ إلهٍ سِواه وَهِيَ الأَمْثَالُ. وَمَنَع اللهُ تَعالى عَنْ ضَرْبِ الأَمثالِ بِقَوْلِه سُبْحانَه: فَلاَ تَضْرِبوا للهِ الأَمْثَالُ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لا تَعْلَمون (74 - النحل) . وَإذا قِيلَ فِي شَيءٍ مَا: هٌوَ مِثْلُه فِي كَذا فَهُوَ مُساوٍ لَه فِي جِهَةٍ دُونَ جِهَة، قَالَ تَعالى: كَأَمْثَالِ الُّلؤْلُوءِ المَكْنون (23 - الواقعة) ، هٌم وِلدانٌ مُخلَدونَ يَقُومُونَ عَلى خِدْمَةِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَقولُه تَعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا طَائِرٍ يَِطيرُ بِجناحَيْةِ إلا أُمُمٌ أمْثالُكُم (38 - الأنعام) . وَقولُه تَعالى: فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَد إهْتَدَوْا (137 - البقرة) ، تَأوِيلُه: إنْ آمَنوا بِتَصْديقِ مِثْلَ تَصديقِكِم فِي إيمَانِكُم بِالأنْبِيَاءِ وَتَصديقِكُم كَتَوْحيدِكُم فَقَد صَارُوا مُسْلِمِين مِثْلَكُم. وَقولُه تَعالى: مَثَلُ الجَنَّةِ التى وُعِدَ المُتَّقونَ (35 - الرعد) ، أي: صِفَتِها. وَالمَثَلُ: عِبَارَةٌ عَن قَوْلٍ فِي شَيءٍ يُشْبِهُ قَولًا قِي شَيءٍ آخَرَ بَيْنَهُما مُشَابَهَةٌ لِيُبَيِّن أَحَدُهَما الآخَرَ وَيُصَوِّرَهُ، وَقيلَ: الشَّئُ الذِي يُضْرَبُ لِشيءٍ مَثَلًا فَيُجْعَلُ مِثْلُه، وَقيلَ مَا يُضْرَبُ بِه الأَمْثَالُ، وَهو الشَّبَهُ لأنَّه يُعْطِينا الحِكْمَةَ وَيَضْرِبُ لَنا المَعنى. وَالأَمْثالُ بَابٌ مِنَ الأبْوابِ العَرِيقَةِ في الأَدَبِ العَرَبِيِّ. فَالمَثَل أَنْ تَأْتِيَ بِالشيءِ الذي حَدَثَ وَقيلَ فِيهِ قَوِلَةً مُوجَزَة وَمُعبِّرَّة، رَأَى الناسُ أنْ يِأْخُذوا هذِه المَقُولَةَ لِكُلِّ حَالَةٍ مُشَابِهَةٍ لِمَوْرِدِه الذي وَرَدَ أَوَّلًا وَلا يَكونُ إلا فِيمَا فِيهِ غَرابَةٌ أَو حِكْمَةٌ كقولهم: مَنْ سارَ عَلى الدَّرْبِ وَصَل، ثُمَّ استُعيرَ لِلصِّفَةِ أَو الحَالِ أَو القَصْدِ إذا كِانِ لِهِا شِأْنٌ عَجيبٌ. وَإسْتَخْدَمَ القُرآنُ الكَريمُ الأمْثالَ، قَال تَعالى: وَلَقَد صَرّفْنَا لِلناسِ فَي هَذا القُرآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ الناسِ إلا كُفورًا (89 - الاسراء) ، وذَلِكَ لِيُقَرِّبَ سُبحانَه مِنْ أَذهانِنَا مَعْنى الغَيْبِيِّاتِ التى لا نَعْرِفُها وَلا نُشَاهِدُها، وَلِيُقَرِّبَ لَنا المَعْنى تَشبُّهًَا بِمادِّياتٍ نَرَاهَا فِي حَياتِنَا الدُنْيَا. وَكانَ المَفْروضُ أَنْ تَزيدَ هذِه الأمْثالُ النَّاسَ ايمَانًَا لأنَّها تُقُرِّبُ لَهُم مَعانٍ غَائِبَةٍ عَنْهُم. والمَثَل مَتى شاعَ إسْتِعْمالَه بَيْنَ الناسِ سُمِّىَ مَثَلًا، كَقَولِهِم: (يَداكَ أوْكَتَا وَفُوكَ نَفَخ) لِمَن يُطلَبُ مِنْهُ أنْ يَتَحَمَّلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت