وَعَلى ذلِكَ نَبَّه بِقَوْلِهِ تَعالى: وإثْمُهُمُا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (219 - البقرة) ، لأَنَّ كُلَّ ما يُوفِي إثْمُه على مَنْفَعَةٍ فَالعَقْلُ يَقْتَضِي تَجَنُّبَه، وَجَعَلَ الكافِرينَ رِجْسًا مِنْ حيثُ إنَّ الشِرْكَ بِالعقْلِ أَقْبَحُ الأَشْياءِ، قَال تَعالى: وَأَمَّا الذينَ في قُلوبِهِم مَرضٌ فَزَادَتْهُم رِجْسًَا إلى رِجْسِهِم (125 - التوبة) ، وقَوْلُه تَعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ على الذينَ لا يَعْقِلُون (100 - يونس) ، قيلَ الرِّجْسُ: النَّتَن، وقيل: العَذاب، وذلِكَ كَقولِه تَعالى: إنَّما المُشرِكون نَجَس (28 - التوبة) ، وَفي الحَديثِ: أَعوذُ بِكَ مِنَ الرَّجْسِ والنَّجَس، وَقَد يُعبَّرُ بِهِ عَن الحَرامِ وَالفِعْلِ القَبيحِ والعَذابِ والَّلْعَنةِ والكُفْر. وَقَالَ تَعالى: أَو لَحْمَ الخِنْزِير فإنَّه رِجْسٌ (145 - الأنعام) ، وذَلِكَ مِن حيثُ الشَرْعِ، وقيلَ: رِجْس ورِجْز لِلصَّوْتِ الشَديد، وبعيرٌ رِجاس: شديد الهدير، وغَماَم ٌراجس ورجاس: شديد الرعد.
الرُّجُوع: العَوْدُ إلى ما كانَ مِنه البَدْء، أَو تَقدير البَدءِ مَكَانًَا كانَ أَو فِعلًا، أو قَوْلًا، وبِذَاتِه كانَ رُجُوعُه، أَوْ بِجُزْءٍ مِن أَجزائِه، أَو بِفِعلٍ مِن أَفْعالِه. فَالرُّجوع: العَوْد، والرَّجْعُ: الإِعادَة، والرَّجعة في الطَلاقِ، وَفي العَوْدِ إِلى الدُّنْيا بَعْدَ المَمات، ويُقال: فُلانٌ يُؤمِنُ بِالرَّجْعَة. والرِّجاعُ: مُخْتَصٌّ بِرُجوعِ الطيرِ، هِجْرَتِها: قَطَعَت مِنَ المَواضِعِ الحارَّةِ إِلى البارِدَةِ. وفي حديثِ إبنِ عَبَّاس: مَن كانَ لهُ مَالٌ يُبلِغُه حَجَّ بيتِ الله أَو يَجِبْ عَليهِ فيهِ زَكاة فَلَم يَفْعَل سَأل الرّجعةَ عِنْدَ المَوت، أَي: سَألَ أَنْ يُردَّ إلى الدنيا ليُحْسِنَ العملَ وَيَسْتَدْركَ ما فات، قال تَعالى: حتى إذا جَاءَ أحَدَهُم الموتُ قَالَ رَبِّ إرجِعُون لَعَلِّي أعملُ صَالِحًا فيما تَركت (99 و 100 - المؤمنون) . وَالمَوْتُ هو قَضاءُ الله سُبحانَه الذي لا رَادَّ لَه، يَقولُ تَعالى: تَرجِعونَها إنْ كُنْتُم صَادِقين (87 - الواقعة) ، فَهلاَّ تَرُدُّونَ إلى المحتَضِرِ روحَه إذا بَلغت الحُلقوم وشارفَت الخروجَ من جَسدِه؟ والرّجعة: المَرَّة من الرُّجوع، ومِنَ الرجوعِ قَولُه تَعالى: فَلَمَّا رَجَعُوا إلى أَبيهِم (63 - يوسف) ، وقَولُه تُعالى: وإذا قِيلَ لكُم إرجِعُوا فارجِعُوا (28 - النور) . وَقَولُه تَعالى: ثُمَّ أليه تُرْجَعون (28 - البقرة) ، مِنَ الرُّجوع. وقولُه تَعالى: ثُمَّ إليه تُرْجَعون (281 - البقرة) ، مِنَ الرَّجْع، وقَولُه تَعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عنهُم فَانْظُر ماذا يَرْجِعون (28 - النمل) ، مِنْ رَجْعِ الجَوَاب، ويُقال: لَيْسَ لِكَلامِه مَرجُوع، أي: جَوَاب. وفي صِفَةِ قِراءَتِه صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الفَتْحِ أنّه كانَ يُرَجِّع، التَرْجيعُ: تَرْديدُ القِراءَة ومِنْهُ تَرجيع ُالأذانِ، ورَاجَعَه الكَلام: حَاوَرَه إيَّاه، والرّجِيعُ مِنَ الكَلام: المَرْدُود إلى صاحِبِه، وترجّعَ الرجلُ عِنْدَ المُصيبَةِ واسْتَرجَع قال: إنَّا لله وإنا إليه راجِعون. واسْتَرْجَعْتُ مِنه الشيءَ: إذا أخذتُ مِنْهُ مَا دَفَعْتُه إليه. والرّاجِعُ من النِّساءِ التي ماتَ عَنْها زَوْجُها ورَجَعت إلى أَهْلِها، وأَمَّا المُطلَّقة فهي المَردُودة. والرَّجْعُ: المطر، لأنَّه يَرْجِعُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، والرّجْع عامَّةً: الماء، قال تَعالى: والسماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11 - الطارق) ، وقيل: لأنَّ السَّحَابَ يَحْمِلُ الماءَ مِنْ بُخَاِر البَحارِ والأَنْهَارِ ويُرْجِعُهُ إلى الأَرضِ مَطَرًا، وقيل: ذاتِ الَّنْفعِ. وقولُه تَعالى: إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقَادِر (8 - الطارق) فيها قَولان: الأَوَّلُ أَنَّ اللهَ تَعالى قَادِرٌ على رَجعِ الماءِ الدَّافِقِ إلى مَكانِه الذي خَرَجَ مِنه، والثَّاني أَنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ على إعادَةِ هذا الإنسانِ بَعْدَ موتِه وإحيائِه بَعدَ فَنائِه، وقيل: على بَعْثِ الإنسانِ يومَ القِيامَة، وَمَع ذلِكَ يَتَساءَلُ الكافِرُونَ في قولِه تَعالى: أَئِذا مِتْنا وكُنَّا تُرابًا ذلك رَجعٌ بَعيدٌ (3 - ق) ، يَدّعي الكافِرون أَنَّ إعادَةَ بِناءِ جِسمِ الإنسانِ وتَرْكيبِه بَعيدُ الوُقوعِ. ونَقْرَأُ في قولِه تَعالى: إنَّ إلى رّبِّكَ الرُّجْعَى (8 - العلق) ، إلى الله سُبْحانَه مَرجِعُ الخَلْقِ بَعْدَ مَمَاتِهم حيثُ الحَشْرُ لِموقفِ الحِساب. وجَاءَ قولُه تَعالى (إليه تُرْجَعون) في تِسعِ عَشْرةَ آية و (مَرْجِعُكُم إلى الله) في إحدى عَشْرَة آية و (مرجِعهم) في خمس آياتٍ منها قوله تعالى: ثم إنَّ مَرجِعَهُم لإِلى الجَحيم (68 - الصافات) . وأَمَّا قولُه تَعالى: وَلئِن رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لي عِنْدَه لَلحُسْنى (50 - فصلت) ، فكأَنَّه يَقول: عَلى فَرَضِ أَنَّ القِيامَة حاصِلَةٌ فَسَوفَ يُحْسِنُ إلىَّ ربي كَمَا أَحسَنَ إلي في الدُّنيا، وهو مِن تَلبيسِ إبْليس لَعَنَه الله. وقولُه تَعالى: وإلى الله تُرجَعُ الأُمُور