وهُوَ المُشارُ إليهِ بِقولِه تعالى: وإنَّ الدارَ الآخِرَة لَهِيَ الحَيَوانُ لَو كَانوا يَعلَمون (64 - العنكبوت) . أَمَّا قولُه تعالى: فَلوْلا كانَ مِنَ القُرونِ أُولو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عن الفسادِ (116 - هود) ، أي: أُولو تَمييزٍ، وقيلَ أوُلو طَاعَةٍ، وقيل أُولو إبقاءٍ على أنفسهِم لِتَمَسُّكِهِم بالدين المُرضيّ. وفي حديثِ إبن عباسٍ رضي الله عنهما وصلاةِ الليل: فبقَيْتُ كيف يصلي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: كراهة أنْ يَرى أنِّى كنتُ أُبْقيهِ، أي: أْنْظُرُه وأَرْصُده. وفي الحديثِ: بَقَيْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم -بفتح القاف- أَي: إنْتَظَرناه.
أَصلُ الكلمةِ هي البُكرَة التي هي أَوَّلُ النَّهار، فاشتُقَّ منه لفظُ الفِعل، فقيلَ بَكَرَ فُلان بُكورًا إذا خَرجَ بُكرةً، والبَكور: المبالَغ في البُكرة، وبَكَر في حاجَتِه وأبْتَكَر، وتُصُوِّر فيها معنى التعجيل لِتقدُّمِها على سائِرِ أوقاتِ النهار. البُكرة: الغُدوة، قال تعالى: وسبِّحوهُ بُكْرَةً وأصيلًا (42 - الاحزاب) ، أوَّلَ النهار. والبُكرَةُ مِن الغَدِ وجَمْعُها أَبْكار. قال تعالى: ولَقد صَبَّحهُم بُكرةً عذابٌ مستَقِرٌّ (38 - القمر) . والتبكير: الخُروجُ في ذلِكَ الوقتِ، والإبكار: الدُّخولُ في ذلك الوقت. قال تعالى: وسَبِّحْ بالعشيِّ والإبْكار (55 - غافر) ، هو مِن طُلوعِ الفجرِ الثاني إلى طُلوعِ الشمس. وفي حديثِ الجمعة: مَنْ بَكرّ يومَ الجمعة وابْتَكَر فَلهُ كَذا وكذا. واصلُ (ب ك ر) إنَّما هو التَقَدُّمُ في أي وقت كان مِن ليلٍ أو نَهارِ. وبَكِر: عَجَّل، وبَكَّر وأبكر: تَقدَّم، وكلُّ مَن أسرعَ إلى شيءٍ فَقَد بَكَّر إليه، يقال: بَكِّروا بِصلاةِ المغرب، أي صَلُّوها عِندَ سُقُوطِ القُرْصِ. وأوَّلُ كلِّ شيءٍ: باكورَتُه وهو المُبَكِّر السريعُ الإدْراكِ. والبِكْر: العذراء، وسُميت بِكرًا لأنَّها لا تَزالُ على أَوَّلِ حالَتِها التي خُلِقَت لها، والجمع: أَبْكار، قال تعالى: فجعلناهُنَّ أبكارًا (36 - الواقعة) . والبِكْرُ مِنَ النِّساء التي لم يَقْرَبْها رَجُل، ومِن الرجالِ الذي لَم يَقرب امرأةً بعد. والبِكْرُ أول ولدِ الرجُلِ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى وكذلِكَ الجارِيَة بغيرِ هاء، والبِكر: المرأةُ التي وَلَدَت بَطْنًا واحِدًا. وقد يكون البِكْرُ من الأولادِ في غيرِ النَّاسِ كما في قوله تعالى: بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ (68 - البقرة) ً، والبكرة: الفتي من الإبل. وضربةٌ بِكْر أي قاطعة لا تُثَنَّى، وفي الحديثِ: كانَ ضَرَباتُ علي أبكارً اذا إعتلى قَدَّ واذا إعترَضَ قَطّ. وفي الحديثِ: جاءَت هوازنُ على بِكْرَةِ أبيها، أَي على آخِرِهِم لم يِتِخِلَّفْ منهُم أحد. وإذا نَسَبْتَ إلى أبي بَكْرِ قُلْتَ بكْرِىّ.
بَكَّة هي مَكَّة، قال تعالى: إنَّ أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلذي بِبَكَّةَ مُبَارَكًَا (96 - آل عمران) وقيل: بَطْنُ مكة، وقيل: هي إسمُ المسجدِ، وقيل: مِن حيثُ الطوافِ، وسُمِّيَ بذلك من التَّبَاك، أَي: الإزْدِحام، لأنَّ الناسَ يَزْدَحِمونَ فيهِ لِلطواف، وقيلَ سُمِّيَت مَكَّةُ (بكة) لأنَّها تَبُكُّ أَعناقَ الجبَابِرةِ إذا أَلحَدوا فيها بِظُلمٍ.
بَكَم وبَكيم وجمعها: بُكمْ. وقيلَ البَكَم: الإنسانُ لا يَنطِقُ ولا يَسمَع وهو مَن يُولَدُ أخرس أو بِهِ داءٌ في الِّلسانَ يمنعُ عنه الكَلام، أَو داء في أُذُنِه فلا يَسْمع غَيْرَه. وابْتَكَم الأخرَسُ مع عيٍّ وَبَلَه، وقيلَ هو الخَرسُ ما كان، وفي حديثِ الإِيمان قال إبنُ الأَثير: الصُمُّ البُكْمُ أرادَ بهِم الرّعاع والجُهَّال لانَّهُم لا يَنْتَفِعونَ بالسَّمْعِ ولا بِالنُّطْقِ كَبيرَ مَنفَعَة، فَكَأَنَّهُم قد سُلِبوهُما. قال الأزهري: بَيْنَ الأَخرَسِ والأَبْكَمِ فَرْقٌ في كلامِ العَرب، فالأخرسُ الذي خُلِق ولا نُطقَ لهُ كَالبَهيمَةِ العَجْمَاء، والأَبكمُ الذي لِلسانِه نُطقٌ وهو لا يَعْقِلُ الجَواب ولا يُحسِنُ