تعالى الَّلهْو والَّلعِب، تَعالى اللهُ عَن ذَلِك، وإسْتِهْزاءُ اللهِ بِهِم أَنْ أَظْهَرَ لَهُم مِن أَحكامِه فِي الدُّنْيَا خِلافَ مَا لَهُم فِي الآخِرَة تَمامًَا كَما أَظْهَروا لِلمُسْلِمينَ فِي الدُّنْيَا خِلافَ مَا أَسَرُّوا، وَيَجوزٌ أَنْ يَكونَ إسْتِهزَاؤُه تَعالى بِهِم أَخْذَهُ إيَّاهُم مِنْ حيثُ لا يَعْلَمُون، فَإسْتِهْزاءُ اللهِ بِهِم أَنْ يُحَقِّرَهُم تَحقِيرًَا يُتَعَجَّبُ فِيه أَو يُجازِيهِم بِالعَذابِ عَلى إسْتِهْزائِهِم بِالمُؤْمِنِينَ وذلِكَ استْهْزاءَ مُشاكَلَةٍ كَقَولِه تَعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، قَالَ تَعالى: الَّله يَسْتَهْزِيُء بِهِم وَيَمَدُّهُم فِي طُغْيانِهِم يَعْمَهُون (15 - البقرة) ، أَي: يُجازِيهِم جَزاءَ الهَزُؤ، وَمَعناه: أَنَّه أَمْهَلَهُم مُدَّةً ثُمَّ أَخَذَهُم عَلى حِينِ غِرَّة، فَسَمَّى إمْهَالَه إيَّاهُم إسْتِهْزَاءًَا مِن حَيثُ إنَّهُم إغْتَرُّوا بِه إغْتِرَارَهُم بِالهَزُؤ، فَيَكونُ ذَلِكَ كَالإسْتِدْراجِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون. وَقِيلَ: الهُزْءُ مَزْحٌ فِي خِفَّيٍة، وَقَد يُقال لِمَا هُوَ كَالمَزْحِ، وَفِيمَا قَالَه بَنْو إسرائِيلَ لِمُوسَى عَليهِ السلام عِنْدَمَا نَقَلَ إِلَيْهِم أَمْرَ اللهِ سُبْحانَه بِأَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَة قَولُه تَعالى: قَالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًَا (67 - البقرة) . وَفِي قَولِه تَعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهٍ هُزُوُاَ (231 - البقرة) ، أًي: سُخَرِيَة، وَأَصلُه: هُزءًا، فَأُبْدِلَت الهَمْزَةُ (واوًا) لِضَمِّ مَا قَبْلَها. وَيُقالُ هَزَأَ مِنه وَبِه - كَمَنَعَ وَسَمِعَ - هُزءًا وَهُزُوًَا: سَخِرَ كَإسْتِهْزَاء. وَفِي مَوْقِفِ المُنَافِقِينَ مِنَ الصلاةِ قَولُه تَعالى: وَإذا نَادَيْتُم إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًُا وَلَعِبًَا ذَلِكَ بِأنَّهُم قَومٌ لا يَعٍقِلُون (58 - المائدة) ، وَكَانَ التَهدِيدُ مِنَ الحَقِّ في قَوْلِه تَعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِم أَنْباءُ مَا كَانوا بِه يَسْتَهْزِئُون (5 - الأنعام) ، جَزاءَ سُخْرِيَتِهِم وَإسْتِخْفَافِهِم بِالرُّسُلِ. وَقَد رُوِيَ عَن إبنِ عباس أَنَّ المُسْتَهْزِئِينَ في الدُنْيَا يُفْتَحُ لَهُم بَابٌ مِنَ الجَنَّةِ فَيُسْرِعُون نَحْوَه فَإذا إنْتَهَوْا إلِيه سُدَّ عَلَيْهِم، فَذَلِكَ قَولُه تَعالى: فَاليومَ الذينَ آمَنوا مِنَ الكُفَّارِ يِضْحَكُون (34 - المطففين) .
الهزُّ: التَحْرِيكُ الشَدِيدُ، هَزَّه يَهُزُه هَزًَّا فَاهْتَزَّ: حَرَّكَه فَتَحَرَّكَ. قَالَ تَعالى: وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَليكِ رُطَبًَا جَنِيًَّا (25 - مريم) ، أَي: حَرِّكِيها حَتى تَتَساقَطَ عَليكِ الرُّطَبُ بِإرَادَةِ اللهِ سُبْحانَه، فَضَعْفُهَا بَعْدَ الوِلادَةِ لا يُمَكِّنُهَا مِنْ تَحريكِ جِذْعِ النَّخْلَةِ. وَقَولُه تَعالى لِموسى عَليه السلام: وَألْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأنَّها جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًَا (10 - النمل) ، إنْقَلَبَت العَصَا إلى حَيَّةٍ هَائِلَةٍ فِي الكِبَرِ وَسُرْعَةٍ الحَرَكَة تَهْتَزُّ كَأَنَّها حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي خِفَّتِها. وَاهْتَزَّ النَباتُ: تَحَرَّكَ وَطَال، واهْتَزَّت الأَرضُ تَحَرَّكَت وَأَنْبَتَت. قَالَ تَعالى: فَإذَا أَنْزَلْنَا عَليْهَا الماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَت (39 - فُصلت) ، أَي: أَنَّ الأَرضَ تَحَرَّكَت بِالنَّبَاتِ قَبْلَ بُرُوزِه عَلى سِطْحِهَا وَبَعْدَه.
الهَزْلُ نَقِيضُ الجَدِّ، قَال تَعالى في صِفَةِ القَرآنِ الكَريمِ: إنَّه لَقَوْلٌ فَصْلْ وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (13 و 14 - الطارق) ، لَيْسَ فِي شيءٍ مِنْهُ شَائِبَةُ الهَزْلِ، وَهُوَ الَّلعِبُ وَالبَاطِل بَلْ هُوَ جدٌّ كُلُّه، فَيَجِبُ أَنْ يٌهتَدَى بِه وَأنْ يَكُونَ مَهيِبًَا فِي الصُدُورِ مُعَظَّمًَا فِي القُلُوبِ يَترفَّعُ بِه قَارِئُهُ وَسامِعُهُ عَن أَنْ يُلِمَّ بِهَزْلٍ أَو بِتَفَكُّه بِمزاحٍ لا يُناسِبُ جَلالَ القُرآنِ وَعَظَمَتِه. وَالهُزالُ ضِدُّ السُّمْنِ، يُقال: هُزِلت الدابَّةُ - على ما لم ُيسمَّ فاعلُه - هُزالًا. والهُزالُ: الفَقْرُ.
الهَزْمُ: غَمْزُكَ الشيءَ تَهْزِمُه بِيَدِكَ فَيَنْهَزِم فِي جَوْفِه كَما تَغْمِزُ القِرْبَةَ وَالقِثَّاءِ وَنَحْوِه، وَالهَزْمُ مَا إطْمَأَنَّ مِنَ الأَرضِ، وَهَزْمُ الآرضِ مَا تَشقَّقَ مِنْهَا. وَالهَزِيمَةُ فِي القِتالِ: الكَسْرُ والغِلُّ، وَهُزِمَ القَومُ فِي الحَربِ، والإسْمُ: الهَزِيمَة. قَالَ تَعالى فِي قِصَّةِ طَالوتَ وَجُندِه: فَهَزَمُوهُم بَإذْنِ اللهِ