فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 831

بِهذِه الآيَةِ مَن ذَهَبَ مِنْ عُلماءِ الأصُولِ إلى أنَّه كان صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْكُم بِالإجْتِهادِ بهذِه الآية، ورَاءَيْتُ الرَّجُلَ رِياءً: أَرَيتُه خِلافَ ما أنا عَليه نِفَاقًَا أوطَلَبًا لِلمَديحِ والثناء، ورئَاءَ: مِرآةً لِلناس وسُمعَه، إذْ لا يَبغِي هذا الإنسانُ بِعمَلِه رِضا الله تَعالى وَثوابَ الآخرة، قال تعالى: كَالذي يُنفِقُ مَالَه رِئاءَ النَّاسِ (264 - البقرة) ، وقولُه تعالى: يُراؤونَ الناسَ ولا يَذكُرونَ اللهَ إلا قليلا (142 - النساء) . والمِرآة: ما تَراءَيْتَ فيه، وَقَد أرَيْتُه إيَّاها.

الرْبُ هو الله عزَّ وجَل، وهو رَبُّ كُلِّ شيء، أَيْ مَالِكُه، وَلَه الرُّبوبيةُ عَلى جَميعِ الخَلْقِ لا شَريكَ لَه وَهُوَ رَبُّ الأَرْبابِ وَمَلِكُ المُلوكِ وَالأَمْلاك، قَالَ تَعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السماواتِ وَالأَرْضِ قُل الله (16 - الرعد) . وَلا يُقال الرّبُّ في غَيْرِ اللهِ إِلا بِالإِضافَةِ، وَرَبُّ كُلِّ شَيءٍ مالِكُه وَمُستحِقُّه وَقيلَ صَاحِبه، يُقال: هُوَ رَبُّ الدَّابَةِ وَرَبُّ الدَّارِ، وِفُلانٌ رَبُّ البَيْتِ وَهُنَّ رَباتُ الحِجال، وَيُطلَقُ على السيِّدِ وَالمُدَبِّرِ وَالقَيِّم وَالمُنْعِم وَالمُرَبِّي، ويُقال: فُلانٌ رَبَّ صَنْعَتَه عن فَلان إِذا كانَ يَحفَظُها ويُرْبِها عنده، المَصْدَر بِمَعْنى التَّربِيَة وَهِي تَبليغُ الشَيءِ إِلى كَمالِه بِحَسَب إسْتِعْدادِه شَيْئًَا فَشَيئًا وَاستُعيرَ لِلفَاعِلِ وَالمُرَبِّي، وَربّاه تَرْبِيَةً: أَحْسَنَ القِيامَ عَلَيْهِ وَوَلِيَه حَتَّى يُفارق الطُفولِيةَ كان إبنُه أَوْ لَمْ يَكُن، غَذّاه ونَمّاه وقدَّم له ما يَلْزم مِن عِنايةٍ ورِعايةٍ كالوَلدِ وَالزَرْعِ ونَحوِه، قال تعالى: وقُل رَبِّ إرحَمْهُما كما رَبَّياني صَغِيرًا (24 - الاسراء) ، وفي حديثِ إجابَةِ المُؤَذِّن: الَّلهُم ربِّ هذه الدعوةِ التَّامَّةِ، أَي صاحِبَها وقيل المُتمِّمْ لها، وقولُه تَعالى على لِسان يوسف عليه السلام: وقال لِلذي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما أُذكرْني عِندَ رَبِّك (42 - يوسف) فإنَّه خَاطَبَه على المُتعارَفِ عِندهُم وَعَلى ما كَانوا يُسمُّونَهُم بِهِ. أَمَّا في الحَديثِ في ضَالّةِ الإِبِل: حَتَّى يَلْقَاها رَبُّها، فإنَّ البَهائِمَ غيرُ مُتعبّدةٍ ولا مُخاطَبَةٍ فهي بِمنزِلَةِ الأَمْوالِ التي تَجوزُ إضافةُ مالِكِها إِليها وِجِعلَهم أَرْبابًِا لَها، وقد جاء في قولِ عبدِ المُطَّلِب لأِبرهه:"أِنِا رَبُّ الإبِل، أمّا البيت فإنَّ لِهُ رَبًّا يَمْنَعُه، وقولُه تَعالى: إرجِعَي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرضِيَّةً فَادخٌلي في عِبادِي (29 - الفجر) ، فَمَعناه إرْجِعي إلى صَاحِبكِ الذي خَرَجْتِ مِنه فَاتَّصِلي فيه وذلك لِمَن قَرأ: فَادْخُلي في عَبْدي. والجَمْعُ أَرباب كَما في قولِه تَعالى: ءَأَربابٌ مُتَفَرِّقون خيرٌ أم الله الواحِدُ القَهَّار (39 - يوسف) . وقولُه عز وجل: إنَّه ربي أَحسَنَ مَثواى (23 - يوسف) ، أَي: إنَّ العزيزَ أَحسنَ مَثواى، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ الله رَبِّي أَحسَنَ مثواى، وقولُه تَعالى: أَمَّا أَحَدُ كُما فَيَسقي رَبَّه خَمْرًا (41 - يوسف) ، أَي: سَيدَه، والرَّبيبة واحِدَةُ الربائِب مِنَ الغَنم التي يُربيها الناس في البيوتِ لأَلْبانِها لأنَّ صَاحِبَها يَرُبُّها، وفي حديثِ عائِشةَ رضي الله عنها: كَانَ لنا جيران مِنَ الأَنصارِ لَهُم ربَائِب وكانوا يَبعَثون إلينا مِن أَلبانِها، والرَّباني: الحَبْر وَرَبُّ العِلم، والربَّانِي الذي يَعْبُدُ الرَّبَ، زِيدَت الألِفُ والنُّونُ لِلمُبالَغةِ في النَّسَب، كأنَّ مَعناه صَاحِبُ عِلمٍ بِالرَّبِّ دُونَ غَيرِه مِن العُلوم، والرباني العالمُ الرَّاسِخُ في العلمِ والدّين، أو الذي يَطْلُب بِعِلمِه وَجه الله، فَهو المُتَأَلِّهُ العارِفُ باللهِ، قَال تَعالى: ولكِن كُونُوا رَبَّانِيين (79 - ال عمران) جَمْعُ رَبَّانَي، وهو العالِم الفَقيه أَو المُدّبَر أَمْرَ الناس، والرِّبِيّ واحِدُ الرِّبيين وهو الأَلُوفُ مِنَ الناسِ، قَالَ تعالى: وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍ قَاتِل معه رِبِيُّون كَثير (146 - ال عمران) . والأرِبَّة مِنَ الجَماعَات واحِدَتُها رِبّة، وقيلَ الرِّبِيُّون مَنْسُوبُون إلى الرَبِّ، وقيلَ مِنَ العُلَماء الأَتْقِياءِ والصُّبْر، وَوَصفُ الكثرَةِ مُصَرَّحٌ به في الآية: (رِبِيُّون كَثير) ، فَيَبْقَى أَنّ مَعْنَى الرِّبِيين: الجُموع، من الرَّبَب وهو الماءُ الكَثير، والرْبوب والرّبيب إبنُ امرَأَةِ الرَّجُلِ مِن غيرِه وهو بِمَعنى مَربوب، ويقال لِلرجُلِ نفسِه رَابُّ وربيب. وربيبُ النبي صلى الله عليه وسلم عُمَر إبن أبي سَلَمة وهو إبنُ أُمِّ سَلَمَة زَوجِ النبي صلى الله عليه وسلم، والأُنثى رَبيبة، قال أحمد بن يحيى للقومِ الذينَ استُرضِعَ فيهُم النبي صلى الله عليه وسلم أرِبَّاءُ النبي كَأَنَّه جَمْع ربيب، فعيل بمعنى فاعِل، وَرَبَيبَةُ الرَّجُل بِنُتُ امْرَأتِه مِن غيره. والرَّبيبُ يُقال لِزوجِ الأم لَها ولدٌ من غيرِه ويُقال لأمرَأةِ الرَّجُل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت