قَولِه تَعالى: إن يَسْألكُمُوها فَيُحفِكُم تَبخَلوا (37 - محمد) ، أَي: فَيُجهِدَكُم بِطلبِها كُلِّها. وَالإِحفاء: الإلحاف، أي: المُبالَغة وبلوغُ الغايةِ في كُلِّ شيء. وَفِي حَديثِ أَنَس أَنَّهُم سَأَلوا النبيَّ صلى اللهُ عليه وَسلم حتى أَحْفَوه، أَي: استَقْصوا. وَقَولُه تَعالى: يَسأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهِا (187 - الاعراف) ، أَي: قِيل كَأَنَّك عَالِم بِها، وَقيلَ كَأنَّك مَعَنِيٌّ بها، أَو يَسْألونَكَ كَأَنَّكَ سَائِلٌ عَنْها.
الحَقَب -بالتحريك- الذي يلي حَقْوَ البعير. وحَقَب البعير: إحتَبَسَ بَوْلٌه. وفي الحديث: نهى عَن صلاةِ الحاقِب، هو الذي إحتاجَ إلى الخلاءِ فلم يتَبَّرز وحَصَر غائِطَه. وَحَقَب المطرُ إذا إحْتَبَس، وحقب أمرُ الناس: فَسدَ واحْتَبَس. والحِقبة: الدَّهر، مدةٌ لا وقتَ لها. والإحتقاب: شد الحقيبة من خلف الراكب، وقيل إحتقبه واستحقبه. والأحقاب: الدُّهور. قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: أو أَمْضِىَ حُقُبًا (60 - الكهف) ، أَي: أَسيرَ دَهرًَا طَويلًا. وقال تعالى: لابِثينَ فيها أحقابًا (23 - النبأ) دُهورًا مُتتابِعةَ لا نِهايةَ لها، كُلَما مضى دهرٌ تَبِعه دَهر، جمع حُقْبٌ -بضم فسكون فضمتين- وهو الدّهر. وفي حديث إبن مسعود: إِنَّ الإِمَّعَةَ فيكُم اليومَ المُتَحقِّبُ للناسِ دينَه، أَي: الذين يُقلِّدُ دينَه لِكُلِّ واحدٍ، أَي يَجْعًلُ دِينَه تَابِعًَا لِدِينِ غَيْرِه بِلا حُجةٍ وَلا بُرْهان.
الحِقْفُ مِنَ الرّمالِ: المُعْوَجّ، والجمعُ: أَحْقَاف وَحُقُوف. وَفِي قَولِه تَعالى: وَأذكُرْ أَخَا عَادٍ إذْ أَنْذَرَ قَومَه بِالأَحقافِ (21 - الأحقاف) ، قِيل هِيَ مِنَ الرِّمال، وَكَانَت مَنازِل عَاد بِالرِّمال، أَي: أنْذَرهُم هُنالِك، وِالأَحقاف دِيارُ عاد. وَالأحقاف: رمالٌ بِظاهِرِ بِلادِ اليَمَن كانَت عَادٌ تَنْزِلُ بِها، وَكانَت في شمالِ حَضْرَمَوت وَمَوْضِعُها اليومَ رِمالٌ خَالِيَة. وَفِي الحَديثِ أَنَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ هو وَأَصْحَابُه وَهُم مٌحرِمون بِظبيٍ حاقِفٍ في ظِلِّ شجرة، هو الذي نام وإنحنى وتَثَنَّى في نَومِه، ولهذا قيل للرمل إذا كان مُنحُنِيًا: حقف.
أَصْلُ الحَقِّ المُطابَقَةُ وَالمُوافَقَة، وَذلِكَ بِالإعْتِقادِ لِلشيءِ المُطابِقِ لِمَا عَلَيْهِ ذلِكَ الشيء فِي نَفسِه كَقَولِنا: إِعْتِقَادُ فُلانٍ في البَعثِ والثَوابِ وَالعِقابِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ حَقٌّ، قالَ تَعالى: فَهَدَى اللهُ الذينَ آمَنوا لِمَا إِخْتَلَفوا فيهِ مِنَ الحَقِّ (213 - البقرة) . وَيُقال (الحَقُّ) لِلفِعل وَالقَولِ الوَاقِعِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ وَبِقَدَرِ مَا يَجِب وَفي الوَقْتِ الذي يَجِب، قَال تَعالى: قُلْ هَلْ مِن شُركائِكُم مَنْ يَهْدي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلحَقِّ أَفَمَن يَهْدي إِلى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّي إلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُم كَيْفَ تَحكُمُون (35 - يونس) ، وَقَولُه تَعالى: وَلَو إتَّبَعَ الحَقُّ أَهْواءَهُم (71 - المؤمنون) ، قِيل: التَنْزِيل، أَي: لَوْ كانَ القُرآنُ بِمَا يُحِبُّونَه لَفَسَدَت السماواتُ والأَرْضُ. وَيُقال (الحَقُّ) لِموجِدِ الشيءِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيه الحِكْمَةُ، وَلِهذا قِيل فِي اللهِ تَعالى: هُوَ الحَقُّ، قَالَ تَعالى: وَرُدُّوا إلى اللهِ مَولاهُم الحَقِّ (30 - يونس) ، ثُمَّ قَال تَعالى: فَذَلِكُم اللهُ رَبُّكُم الحَقُّ فَمَاذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفون (32 - يونس) ، وَالحَقُّ من أَسماءِ اللهِ تَعالى وَقِيلَ فِي صِفَاتِه وقال إبْنُ الأَثيرِ هُو المَوجودُ وَالمُحَقَّقُ إِلهِيَّتُه، وَلِهذا يُقال: فَأَحْقَقْتُ كَذا، أَي: أَثْبَتُّه حَقًَّا، أَو حَكَمْتُ بِكَوْنِه حَقًَّا، قَالَ تَعالى: لَيُحِقَّ الحَقَّ (8 - الأنفال) ، وَإِحْقاقُ الحَقِّ يَكونُ بِإِظْهارِ الأَدِّلَّةِ وَالآياتِ، كَمَا فِي قَولِه تَعالى: وَأُولئِكُم جَعَلْنا لَكُم عَليهِم سُلْطانًَا مُبْينًا (91 - النساء) ، وَبِإكْمالِ الشريعَةِ وَبَثِّها في الكافَّةِ كَقولِه تَعالى: وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِه الكافِرون (8 - الصف) ، وَقَولِه تَعالى: هُو الذي أَرْسَلَ رَسُولَه