بُعِثَ عِيسى عليهِ السلام حَسَدَه اليَهودُ عَلى مَا آتاهُ اللهُ مِنَ النُبُوَّةِ والمٌعْجِزات فَسَعَوْا إلى قَتْلِه، فَأَلقَى اللهُ سَبحانَه الشَّبَه عَلى أَحَدِ أَتْباعِه فَظَنُّوه المَسيحَ وَقَتَلوه. وَأَوَّلُ جَريمَةِ قَتْلٍ فِي البَشَرِيَّةِ كانَ مَا أَقْبَل عليهِ قَابيل، ابنُ آدمَ، بِقَتْلِ أَخيهِ حَسَدَا وَطُغْيانًَا، قَالَ تَعالى: فَطَوّعَتْ لَه نَفْسُه قَتْلَ أَخيهِ فَقَتَلَه فَأصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِين (30 - المائدة) . وَقد أُمِرَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنْ يَتْلُوَ قِصَّةَ وَلَدَي آدَم عليهِ السلام عَلى اليَهودِ لِمَا عُرِفَ عَنْهُم مِنَ الطُغيانِ والحَسَدِ والظُّلْمِ والشَرِّ، في قولِه سُبحانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلى بَني إسرائِيلَ أنَّهُ مَنْ قَتَل نَفْسًَا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَو فَسادٍ في الأَرضِ فَكَأنَّما قَتَل الناسَ جَميعًَا (32 - المائدة) ، فَجَريمَةُ القَتْلِ تَهُزُّ الأَمْنَ فِي المُجْتَمَع، ولِذا شَرَع اللهُ القَصاصَ. وفِي الحَديثِ: أَشَدُّ الناسِ عَذابًَا يومَ القِيامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًَّا أَو قَتَلَه نَبِيٌّ، أَرادَ مَنْ قَتَلَه وَهو كَافِرٌ لا مِنْ قَتْلِه تَطْهيرًَا لَه فِي الحَدِّ. وَلَيْسَ كَلُّ قِتالٍ بِمَعنى القَتْلِ، قَالَ الفَراء في قولِه تَعالى: قُتِلِ الإنسانُ مَا أَكْفَرَه (17 - عبس) ، مَعناهُ: لُعِنَ الإنسانُ، وَقَاتَلَه اللهُ: لَعَنَه، قَالَ تَعالى: قُتِلَ الخَرَّاصُّون (10 - الذاريات) ، دُعاءٌ عَليهِم. وَقَاتَل اللهُ اليَهود: أَي: قَتَلهُم، وقيلَ: لَعَنَهُم اللهُ، وقيلَ عَادَاهُم، وقالَ تَعالى في المُنافِقِين: قَاتَلَهُم اللهُ (4 - المنافقون) . وفي حَديثِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عنه: مَنْ دَعَا الى إمَارَة ِنَفْسِه أَو غَيرِه مِنَ المُسْلِمينَ فَاقْتُلُوه، أَي: إجْعَلُوه كَمَن قُتِل ومَاتَ بِأَنْ لا تَقْبَلوا لَهُ قَوْلًا وَلا تُقِيمُوا لَه دَعْوةً، وَكذلِكَ في الحديثِ الآخَرِ: إذا بُويِعَ الِخَليفَتانِ فَاقْتُلُوا الأَخيرَ مِنْهُمَا أَي أَبْطِلوا دَعْوَتَه واجْعَلُوه كَمَن مَات. وقَولُه تَعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم (54 - البقرة) ، قِيلَ مَعناه: لِيَقْتُلْ بَعْضُكُم بُعضًَا، وقيلَ عُنِيَ بِقَتْلِ النَّفْسِ: إماطَةُ الشَّهَوات، وَمِنْهُ اسْتُعيرَ عَلى سَبيلِ المُبالَغَة كَقَولِهِم: قَتَلْتُ الخَمرَ بِالماءِ: إذا مَزَجْتُه، وَقَتَلْتُ فَلانًَا وَقَتَّلْتُه: إذا ذَلَّلْتُه. وقولُه تَعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِنْ إمْلاقٍ (151 - الأنعام) ، فَقَد قِيلَ إنَّ ذلِكَ نَهْيٌ عَن وَأْدِ البَناتِ، أَو الإجْهاضِ إلا لِسَبَبِ قَاهِرٍ يُقَرِّرُه طَبيبٌ مٍسلِم، وَقالَ بَعضُهُم: بَل نَهي عَن تَضييعِ البَذْرِ بَالعُزْلَةِ، وَوَضْعِهِ فِي غَيرِ مَوْضِعِه، وقيلَ إنَّ ذلِكَ نَهْيٌ عَن شُغْلِ الأَولادِ بِما يَصُدُّهُم عَن العِلْمِ، وَتَحَرِّي مَا تْقَتضِي الحياةُ الأَبَدِيَّة، إذْ كانَ الجاهِلُ والغَافِلُ عَن الآخِرَةِ في حُكْمِ الأَمواتِ، أَلا تَرى أَنَّه تَعالى وَصَفَهُم بِذلِكَ فِي قولِه تَعالى: أَمواتٌ غَيرُ أَحياءٍ (21 - النحل) ، وَعَلى هَذا قَولُه تَعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم إِنَّ اللهَ كانَ بِكُم رحِيمًَا (29 - النساء) ، أَلا تَرَي أَنَّهُ سَبْحانَه قَال: وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ عُدْوانًَا وَظُلْمًَا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًَا (30 - النساء) . وقولُه تَعالى: وَلا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُم حُرُم وَمَن قَتَلَه مِنْكُم مُتَعَمِّدًَا فَجَزاءٌ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم (95 - المائدة) ، فَإنَّه ذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذًّكاةِ، إذْ كانَ القَتْلُ أَعَمُّ هَذِه الأَلفاظِ تَنْبيهًَا أَنَّ تَفويتَ رُوحِه عَلى جَميعِ الوُجوهِ مَحْظُورٌ، يُقالُ: أقْتَلْتَ فُلانًا: عَرَّضْتَه لِلقَتْلِ. وَقَتَل المَوضوعَ بَحثًَا، أَي: إجْتَهَدَ في ذلِكَ بِأَقْصَى طَاقَتِه.
القِثَّاء: الخِيار، الواحِدَة: قِثَّاءَة، أَقْثَأَت الأَرضُ إذا كانَت كَثيرَةَ القِثاء، قَال تَعالى في قَومِ موسى عليه السلام مِن بَني إسرائِيلَ حيثُ بَطِرُوا عَلى نِعْمَةِ المَنِّ والسَلْوى: فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرضُ مِن بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها (61 - البقرة) ، سأَلَوا موسى عليه السلام إسْتِبْدالَ تِلكَ النِّعَمِ بِالأَطْعِمَةِ الدَنيئَةِ، ونزل قوله تعالى: إِهْبِطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم ما سَأَلْتُم (61 - البقرة) .
القَحْمٌ: المُسِن، وَقيلَ الذي أَقْحَمَتْهُ السَنُّ، تَراه قَد هَرِمَ مِن غَيرِ أَوانِ الهَرَم، وَقَحَم الرجلُ فِي الأَمْرِ يَقحُم قُحُومًا واقْتَحَم: رَمَى بِنَفْسِهِ فيه مِنْ غَيرِ رَوْيَّة. وفي حديثِ ابنِ مَسعود: مَنْ لَقِيَ اللهَ لا يُشرِك بِهِ شيَئْاَ غَفَرَ له المُقْحِمَات، أَي: الذُنوبَ العِظامَ التي تُقْحِمُ أَصحابَها في النار، أَي: تُلْقِيهِم بِها. وَالقَحْمَة: رُكُوب الإثْمِ. والإقْتِحَام: تَوسُّطُ شِدَّةٍ مُخيفَة، قَال تَعالى: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَة (11 - البلد) ، أَي: وَلا