فَالثَابِتُ عِنْدَنَا أَنَّ ابن عباس كانَ يَراهَا حَلالًا ثُمَّ لَما وَقَفَ عَلى نَهْيِ النَبيِّ صلى الله عليه وسلم رَجَعَ عَنْ إحْلالِها، فَإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهي عَن المُتْعَةِ الشَرْطِيَّهِ صَحَّ مِن جِهاتٍ لَو لَمْ يُكن فِيهِ غَيرُ مَارُوِيَ عَن أميرِ المٌؤْمِنينَ عَليِّ بنِ أبِي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنه، وَنَهى ابنَ عَباس عَنْهَا لَكانَ كَافِيًَا، وَقَد كانَ مُبَاحًَا أَوَّلَ الإسلامٍ ثُمَّ حُرِّم، وَهُوَ الآن جَائِزٌ عِندَ الشِيعَةِ. وَمُتْعَةُ المَرِأَةِ ما وُصِلَت بِه بَعْدَ الطَلاقِ وَقَد مَتَّعَها، وَأمَّا قولُه تَعالى: وَلِلمُطَلَّقَاتِ مَتاعٌ بِالمَعْروفِ حَقًَّا عَلَى المُتَّقِين (241 - البقرة) ، وفِي مَوْضِعٍ آخِر: لا جُنَاحَ عَليكُم إنْ طَلَّقْتُم النِساءَ مَا لَم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَريضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدِرُه وَعلى المُقْتِرِ قَدْرُه مَتاعًَا بِالمَعروفِ حَقًَّا عَلى المُحْسِنِين (236 - البقرة) ، وَهَذا المَتْعُ الذي ذَكَرَه اللهُ عَزَّ وَجَل لِلمُطَلَّقاتِ عَلى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهَما واجِبُ لا يَسَعُه تَرُكه وَالأخَر غَيرُ واجِبٍ يُستَحَبُّ لَه فِعْلُه، فَالواجِبُ لِلمُطَلَّقَهِ التي لَمِ يَكُن زَوجُها سَمّى لَها صَدَاقًَا وَلَم يَكُنْ دَخَل بِها حَتى طَلَّقَها فَعَلَيهِ أنْ يُمتِّعْهَا بِما يَنْفَعُها بِه مِنْ ثَوبٍ اَوخادِم أَو دَرَاهِم أو طَعام، واللهُ تَعالى لَمْ يَحْصُرْهُ بِوَقتٍ وَإنَّمَا أَمَرَ بِتَمِتِيعِها فَقَط، وَأمَّا المُتْعَةُ التى لَيسَت بِواجِبَةِ وَهِيَ مُستَحَبَّة مِنْ جِهَةِ الإحْسانِ وَالمُحاَفَظَةِ عَلى العَهْدِ، فَأَنْ يَتزَوَّجَ امِرَأَةً وَيُسَمِّي لَها صَداقاَ ثم يُطَلِّقْهَا قَبلَ دُخولِه بِها أَو بَعْدَه فيُسْتَحَبُّ لَه أنْ يُمَتِّعْهَا بِمُتْعَةٍ سِوَى نِصفِ المَهْرِ الذي وَجَبَ عَليهِ لَها إنْ لَمْ يَكُنْ دَخْلٌ بِهذا أَو المَهْرِ الوَاجِبِ عَليه كُلِّهِ إنْ كانَ دَخَلَ بِها وَهُوَ اسْتِحْبابٌ لِيَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ المُحْسِنِين والمُتَّقِين.
فِي قِصَّةِ يوسُفَ عليه السلام وَمَا كَانَ مِنْ شِأْنِ إمْرَأَةِ العَزيزِ مَع نِسوةٍ فِي المَدينَةِ قَوْلُة تَعالى: وَأَعْتَدَت لَهُنَّ مُتَّكَأً (31 - يوسف) ، أَي: المَجْلِسُ المُعَدُّ فِيه مَفَارِشَ وَمَخَادَّ وَطَعامًَا مِمَّا يُقْطَعُ بِالسكِين، قِيلَ هُو الأُتْرُج. وَقَرَأَ بَعْضُهُم (مُتْكًَا) ، والمُتْكَة واحِدَةُ المُتْكِ مِثْل بُسرَة وَبُسْر. وَقِيلَ المَتْكُ والبَتكَ هُوَ القَطْعُ، وَسُمِّيَت الأتُرٌجَّة مُتْكًَا لانَّها تُقْطَع.
المَتْنُ مِنْ كُلِّ شيءٍ مَا صَلُبَ ظَهرُه، وَالمَتْنُ مِنَ الأَرضِ: مَا ارِتَفَعَ واسْتَوى، وَقِيلَ ِما إرْتَفَع وَصَلُبَ، والجَمْعُ مُتون يُذكَّر وَيُؤَنَّث. وَمَتْنَا الظَهرِ: مُكْتَنَفَا الصُلْبِ عَن يَمينٍ وِشِمال مِن عَصَبٍ وِلَحم، وَقَولُه عزَّ وَجَل: إنَّ اللهَ هُوَ الرَّزاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِيِن (58 - الذاريات) ، أَي: ذُو الإقْتِدارِ الشَديدِ - وَالمَتِينُ: صِفَةٌ لِقولِه (ذو القوة) ، وهُوَ اللهُ تَبارَكَ وَتَقدّس، وَالمَتينِ: القَوِيُّ الشَديدُ الذي لا يِلْحَقُه فِي فِعالِه مَشَقَّةٌ وَلا كُلْفَةٌ وَلا تَعَبٌ. وَسَيْرٌ مُمَاتِن: بَعيد. وقَولُه تَعالى: وَأُمْلِي لَهُم إنَّ كَيْدِي مَتِين (45 - القلم) ، أَي: أُؤخِّرُهُم وُأُمِدُّهُم وذلِكَ مِنْ كَيْدِي وَمَكْرِي بِهِم. وَكَيْدِي مَتِين أَي: عَظيمٌ لِمَن خَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي وِاجْتِرِأِ عِلى مِعْصِيَتِي.
مِنْ حُروفِ المَعانِي تُسْتَخْدَم فِي السؤالِ عِنْ وَقْتِ فِعلٍ فُعِل أَو يُفْعَل، والعَربُ تُجازِي بِها، تَقُولُ مَتى تَأْتِنِي آتِكَ، وَقَد تَأتِي بِمَعْنَى الإسْتِنْكَارِ كَقولِهِم: مَتى كَانَ هَذا؟ عَلى مَعْنَى الإنِكارِ وَالنَّفْي. قَال تَعالى: وَيقُولونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُم صَادِقِين (48 - يونس) ، وَمَعها خَمْسُ آياتٍ أُخْرَى فِي مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ فِي القُرآنِ الكَريمِ، وَفِيها يَسْتَعْجِلُ المُشْرِكُونَ العذَابَ وَيَتَساءَلونَ عَن وَقْتِه، وفِي ذلِكَ تَكذيبٌ وَجٌحٌودٌ وإنْكارٌ كَمَا أنَّهٌم يَسْتَبِعٍدُونَ حُدُوثَه. وقَولُه تَعالى: وَيَقولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كٌنْتُم صَادِقِين (28 - السجدة) ، وفِي