فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 831

تُسْتَعْمَل فيما يُوجَدُ في القَلْبِ، وَالخُضوعُ فيما يُوجَدُ عَلى الجَوارِحِ، وَلِذا قِيلَ فِيمَا رُوِيَ: إذا ضَرَع القَلْبُ خَشَعَت الجَوارِحُ. وَقَولُه تَعالى: وَمِنِ آياتِه أنَّكَ تَرى الأَرضَ خَاشِعةً فَإذا أَنْزَلْنا عَلَيْها المَاءَ اهْتزَّت وَرَبَتْ (39 - فصلت) ، فَيَخْرُجُ النباتُ مَن الأَرْضِ كَما يَخْرُجُ الناسُ مِنْ قُبورهِم يَوْمَ القِيامَةِ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ عَزَ وَجَل. وَقَوْلُهُ تَعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هَذا القُرآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله (21 - الحشر) . وَقيلَ الخُشُوعُ وَالخَشْيَةُ كِلاهُما مِنْ أَفْعالِ القُلُوب التي لا تَصْدُرُ عَنْ جَمادٍ إِلا أَنِ يَكونَ ذلِكَ مِنْ صُنْعِ البَيَانِ إِذْ يَبُثُّ الحَياةَ في الصَخْرِ الأَصَمِّ، فَهَل أَصْبَحَ الإِنْسانُ أَقسى قَلْبًَا مِنَ الحَجَرِ وَأَكْثَفَ حِسَّا مِنَ الجَبَلِ؟ وَكُلُّ خُشوعٍ في القُرآنِ الكَريمِ إنَّما هُوَ لِله تَعالى كَما في الآياتِ: خاشِعِينَ لله ... (199 - آل عمران) ، وَكَانوا لَنَا خَاشِعِين (90 - الأنبياء) ، الَّذينَ هُمْ فِي صَلاتِهِم خاشِعون (2 - المؤمنون) . وخُشوعُ الكُفَّارِ لا يَكونُ إِلا بَعْدَ أَنْ يَأتِيَ اليومُ الذي يُوعَدون فَيَخْشَعونَ خَوْفًَا وَرَهْبَةَ وذِلَّةً، عَلى حِين يَخْشَعُ المُؤمِنونَ فِي الدُّنْيا عَنْ صِدْقِ إِيمانٍ وَتَقْوَى وَخَشيةِ اللهِ. وَالأَرْضُ الخاشِعة: المُتَغَبِّرة المُتَهَشِّمة النَّبَاتِ، وإِذا يَبِسَت الأَرضُ وَلَمْ تُمْطَر قِيل: قَدْ خَشَعَت، وَبَلْدَةٌ خَاشِعَةٌ: مُغبَرَّةٌ لا مَنْزِلَ بِها، وجِدارٌ خاشِع: إِذا تَداعَى وَاسْتَوى مَعَ الأَرْضِ، وخَشَعَت الكواكِبُ: دَنَتْ لِلمغيبِ.

الخَشية: الخَوْف، خَشِيَ الرجلُ: خافَ. قالَ تَعالى: فَخَشِينا أنْ يُرهِقَهُما طُغيانًَا وكُفرًا (80 - الكهف) ، قال الفراء: معناه فَعَلِمنا، وقال الزجاج: (فخشينا) مِن كلامِ الخضر عليه السلام ومعناه: كَرِهنا، والدليل على أنَّه من كلامِ الخضر قولُه: فأرَدْنا أنَ يُبدِلَهُما رَبُّهما. وكُلُّ خشيةٍ في القرآنِ الكريمِ على اخْتِلافِ صِيَغِها لا تَكونُ إلا في الحياةِ الدنيا، فَالدُّنْيا هِيَ مَجالُ الإبْتِلاء، أَمَّا إذا تعلَّقت بِذاتٍ لا بِأمْرٍ فَإنَّها في تَقديرِ القرآنِ لا تكونُ إلا الخَشيةُ لِلهِ وَحدَه دونَ أَيِّ مَخلوقٍ. وِالخَشْيَةُ: خَوْفٌ يَشوبُه تَعْظيمٌ، وَأَكْثَرُ ما يَكونُ ذلِكَ عَن عِلْمٍ بِما يُخْشَى مِنه، ولذلِكَ خُصَّ العُلماءُ بِها في قَولِه تَعالى: إنَّما يَخْشَى اللهَ مِن عِبادِه العُلماءُ (28 - فاطر) . قال تَعالى: إنَّما تُنذِر مَن إتَّبعَ الذِّكرَ وخَشِيَ الرَّحمَنَ بِالغَيْبِ (31 - يس) ، وقوله تعالى: وَلَم يَخشَ إلا الله (18 - التوبة) ، وَمَعها الآيات: (33 - ق) و (49 - الأنبياء) و (18 - فاطر) و (13 - الملك) و (21 - الرعد) و (57 - المؤمنون) . وتُسنَد خَشيةُ اللهِ في القُرْآنِ الكريم إِلى: الذين يُبَلِّغون رِسالاتِ رَبِّهِم، مَن اتَّبَعَ الذِّكر، المؤمنون، العلماء، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. فإذا كانت خَشيةُ الله مُتوقَعةً مِنَ الجَبَلِ كَما في آية الحَشر 21 ومن الحِجَارَةِ كما في آيةِ البقرة 74 فَذَلِكَ مِنْ رَائِعِ البيانِ القرآني إذ يَبُثُّ الحياةَ في الجامِدِ الأَصَمِّ فيَجعَلُه بِحَيثُ يُحِسُّ وَيَنْفَعِل وَيَخْشَى اللهَ وَيَخْشَع، كما في قوله تعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيهِم السَّماءُ، وَقَوْلُه تُعالى في جَهَنَّم: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًَا. وقولُه تَعالى لِرسولِه صلى الله عليه وسلم: وَتَخشى الناسَ والله أَحقُ أَنْ تَخْشَاه (37 - الأحزاب) ، فَمَعنى خَشيَتِه لِلناسِ هو أنْ يَحسِبَ حِسابًا لما سَيَقُولونَه مِنْ أنَّه تَزَوَّجَ زَوْجَةَ إبْنِهِ وهو زَيْد الذي كان الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم قَدْ تَبَنَّاهُ حَتَّى نَزَلَت الآيَةُ التي أَلْغَت التَبَنِّي فِي الإِسْلام. وَقَولُه تَعالى: ولا تَقْتُلُوا أَولادَكُم خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (31 - الإسراء) ، أي: لا تَقْتُلُوهُم مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَكُم إِمْلاقٌ. وَفي حَديثِ إِبنِ عُمَر قَالَ لَهُ إبنُ عَبَّاس رَضِيَ الله عَنْ أَصْحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وَسَلَّم: لقد أَكْثَرْتَ مِنَ الدُّعاءِ بالموتِ حَتى خشيتُ أَنْ يَكونَ ذلِكَ أَسهَلَ لك عِنْدَ نُزُولِه. خَشيتُ هُنا بِمَعنى: رَجَوْتُ.

التَّخصيصُ والإختِصاصُ والخُصوصِيَّة والتَّخَصُّص: تَفَرُّدُ بَعضِ الشيءِ بِمَا لا يُشارِكُه فيه الجَماعَة، وذلِكَ خِلافَ العُموم والتَعْمُّمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت