فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 831

وَجه الكلام. قالَ تعالى: وضَرَبَ الله مَثَلًا رجُلَيْنِ أحَدُهُما أبكَم لا يقدِرُ على شيءٍ وهو كَلُّ على مَولاه أيْنَما يُوجِّهْهُ لا يَأتِ بِخيرٍ (76 - النحل) ، أي: لا يَفهم ولا يُفهم، عِيِال على مَن يَلي أمره ولا يَكفي لِمُهِم. وفي قولِه تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يُبْصِرون (18 - البقرة) ، أي: خُرْسٌ عن الهُدى والحقِّ فلا يَنطِقون بِهِما فَهُم يَسْمَعون ويَنْطِقون ويُبْصِرون ولكنَّهم لا يَعونَ ما أَنْزَلَ اللهُ ولا يَتَكلَّمونَ بِما أُمِرُوا بِهِ فَهُم بِمنزِلَةِ الصُمِّ و البُكمِ والعُمْي. وفي الحديث: سَتَكونُ فِتنةً صَمَّاءَ بَكْماءَ عَمياء، أَرادَ أَنَّها لِذهابِ حواسِّها لا تُدْرِكُ شيئًَا ولا تُقلِعُ ولا تَرْتَفِع.

البُكاء، يُقصَر ويُمَدّ، والبكاء بالمد: سيلانُ الدَّمْعِ عَن حُزنٍ وعَويل، يُقال: إذا كانَ الصوتُ أَغلبَ كالرُّغاء والثُّغاءِ وسائِرِ هذه الأَبْنِيَة الموضوعةِ لِلصوت، وباِلقصرِ يقال إذا كانَ الحزنُ أغْلَب. بكى يبكي بُكاءً، وتَبَاكى: تَكّلَّف البُكاء، وجَمْعُ الباكي: باكُون وبُكيُّ، وقيل البَكِيّ: الكثيرُ البُكاء، وقيل: في الحُزنِ وإسالَةُ الدمع ِمعًا، ويُقال في كُلِّ واحدٍ مِنهُما مُنفَرِدًَا عن الآخر، قال تعالى: إذا تُتْلَى عليهِم آياتُ الرحمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيَّا (58 - مريم) ، ساجِدين وباكِين خُضوعًا وخُشوعًا وخوفًا وحَذَرًا وتعظيمًا وتمجيدًا لله تعالى. وأَصلُ بُكِيّ: فُعول، كقولِهِم: ساجِد وسُجُود وقاعد وقُعُود، لكن قُلِبَت الواوُ ياءً فأُدْغِم نحو: جاثٍ وجُثِيّ. وفي قولِه تعالى: فما بَكَت عليهِم السماءُ والأرضُ (29 - الدخان) ، المقصودُ هو فِرعونُ وقومُه، وهل تَبْكي السماءُ على أَحَدٍ؟ قال مُجاهد: ما ماتَ مُؤْمِنٌ إلا بَكَت عليه السماءُ والأرضً، ولِمَ لا تبكي الأرضُ على مَن كانَ يَعمُرُها بالرُّكوعِ والسجودِ وكان لِتكبيرِه وتسبيحِه فيها دَوِيٌّ كدوِيّ النحلِ. وقَد قيلَ إنَّ ذلِكَ على الحقيقةِ، وذلِكَ قولُ مَن يَجْعَلُ لَها حياةً وعِلماَ، وقيل: ذلِكَ على المَجاز، وتَقديرُه: فما بَكَى عليهَم أَهلُ السماءِ. وقولُه عز وجل: فَليَضْحَكوا قليلًا ولْيَبكوا كثيرًا (82 - التوبة) ، إشارةً إلى الفَرَحِ والترَحِ وإنْ لَم يَكُنْ مع الضَّحِكِ قَهْقَهَة ولا مَعَ البُكاءِ إسالةُ دَمعٍ.

جاءَ في كِتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للرَّاغِب الأَصفهاني مَا يَلي:

كَلِمَةٌ لِلتَدارُك، وهو ضَربان: ضَربُ يُناقِضُ ما بعدَه ما قَبلَه، لكِن رُبما يُقصَد بهِ لِتَصحيحِ الحُكمِ الذي بعدَه وإبطالِ ما قَبله، ورُبَّما يُقصدُ تصحيحُ الذي قبله وإبطالُ الثاني، فَمِمَّا قُصد به تصحيحُ الثاني وإبطالُ الأولِ قولُه تعالى: وإذا تُتلى عليه آياتُنا قالَ أساطيرُ الأَوَّلين، كلاَّ بَلْ رانَ على قُلوبِهِم ما كانوا يَكْسِبون (13 و 14 - المطففين) أَي: لَيسَ الأَمرُ كَما قَالوا بَلْ جَهِلوا، فَنَبَّه بقولِه (رانَ على قُلوبِهِم) ، على جَهْلِهِم، وعلى هذا قولُه تعالى في قِصَّةِ إبراهيمَ عليه السلام: قالوا أَأَنْتَ فعلتَ هذا بِآلهَتِنا يا إبراهيم، قالَ بَلْ فَعَلَه كبيرُهم هذا فاسْأَلوهُم إنْ كانوا يَنْطِقون (62 و 63 - الأنبياء) . وَمِمَّا قُصِدَ به تَصحيحُ الأولِ وإبْطالُ الثاني قولُه تعالى: فَأَمَّا الإنسانُ إذا ما ابتلاهُ ربُّه فأَكْرًمًه ونَعَّمَه فيقولُ ربي أَكرَمَن وأَمَّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَر عليه رزقَه فَيقولُ ربِّي أَهانَن كلا بَلْ لا تُكرِمونَ اليتيمَ (15 - 17 - الفجر) ، أي: ليسَ إعطاؤُهُم المالَ مِنَ الإكرامِ ولا مَنعُهم مِنَ الإهانَة، لكن جهلوا ذلك لِوَضْعِهِم المالَ في غيرِ موضِعِه، وعلى ذَلكَ قولُه تعالى: ص، والقرآنِ ذي الذِّكْر بَل الذينَ كَفروا في عِزَّةٍ وشِقَاق (1 و 2 - ص) ، فإنَّه دلَّ بِقولِه: (والقرآن ذي الذكر) أَنَّ القرآنَ مَقرٌ لِلتذكُّر، وأنَّ ليسَ امتناعَ الكُفَّارِ مِنَ الإصغاءِ إليه أنْ ليسَ مَوضِعًا للذِّكر، بل لِتَعَزُّزِهِم ومُشاقَّتِهِم، وعلى هذا قولُه تعالى: ق، والقرآنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت