البَدَن، يَقال: حَلَّقَ الطائِرُ حَتى صارَ فِي كَبِدِ السماءِ. وَالكَبَد: الشِدَّةُ والمَشَقَّةُ. قَال تَعالى: لَقَد خَلَقْنَا الأنسانَ فِي كَبَد (4 - البلد) ، قِيلَ مُنْتَصِبًَا مُعْتَدِلًا، وَقيلَ خُلِقَ يُعالَجُ وَيُكابِدُ أَمْرَ الدُنْيَا وَأَمْرَ الآخِرَة. وَقيلَ فِي شِدَّةٍ وَمَشقَّةٍ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الصَّالِحينَ وَغَيْرِ الصَالِحين. وَالمَشاقُّ والمَتاعِبُ لابُدَّ أَنْ تَكونَ فِي خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَالأنْبِيَاءُ وَالعُبّادُ والمُجاهِدُون فِي سَبيلِ اللهِ فِي كَبَدٍ فِي الدَنْيَا وَلَهُم النَّعيمُ فِي الآخِرَةِ، وَالجَاحِدُون لِلنُبُوَّةِ والمُفْسدِون فِي كَبَدٍ فِي الدُّنْيَا وَلَهُم وَرَاءَ ذلِكَ كَبَدٌ فِي الآخِرَةِ. وَقَوْلُهُم فُلان تُضْرَبُ إلَيهِ أكْبادُ الإبِل، أي: يُرحَلُ إلَيهِ فِي طَلَبِ العِلْمِ أَو غَيْرِه. وَكَابَدَ الأَمْرَ: قَاسَاه. وَبعْدَ إنْتِهاءِ مِعرِكِةْ أُحٌد قَامَت هِنْدُ بِنْت عُتْيِة زَوْجِ أَبِى سَفْيان بِشَقِّ بِطْنِ حَمْزَة رَضِيَ اللهَ عَنه بَعْدَ اسْتِشْهَادِه وإسْتَخْرِجَت كَبِدَه ومَضَغَتْهُ حِقْدًَا وإنْتِقَامًَا لَمَقْتَلِ بَعضِ أًفْرادِ عَائِلَتِها فِي مَعْرَكَةِ بَدْر.
الكَبيرُ والصَغِيرُ مِنَ الأَسماءِ المَتَضَايِفَة التي تُقالُ عِندَ إعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْض، فَالشيءُ قَدْ يَكونُ صَغيرًا فِي جَنْبِ شيءٍ، وَكَبيرًَا فِي جَنبِ غَيْرِه، وَيُسْتَعْمَلان فِي الكَمِّيَةِ المُتَّصِلَةِ كَالأَجْسامِ، وذلِكَ كَالكَثيرِ وَالقَلِيل، وفِي الكميةِ المُنْفَصِلَةِ كَالعَدَد، وَرُبَّمَا يَتَعاقَبُ الكَثِيرُ والكَبيرُ عَلى شيءٍ واحِدٍ بِنَظَرَيْنِ مُخْتَلِفين كَقولِه تَعالى: قَلْ فيهِمِا إثْمٌ كَبيرٌ وَمنافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِما (219 - البقرة) وَقُرِيَء: كَثير، أَمَّا إثْمُهُمَا فَهوَ فِي الدِّين، وَأَمَّا مَنافِعُها فَدُنْيَوِيَّة. وَأَصْلُ ذلِكَ أَنْ يُسْتَعْمَل فِي الأَعْيانِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلمَعانِي كَمَا فِي قَولِه تَعالى: لا يُغَادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إلاَ أَحْصاهَا (49 - الكهف) . الكَبيرُ فِي صِفَةِ اللهِ تَعالى، العَظيمُ، الجَليلُ، العَزيزُ الجَبَّارُ، المُتَكبِّر عَن ظُلْمِ عِبادِه، وَتَعالى عَن صِفاتِ خَلْقِه، وَالتَكَبُّر عَلى العُتاةِ مِنْهُم. يَقولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَديثِ القدُسِيِّ: الكِبْرِياءُ رِدَائِي والعَظَمَةِ إزارِي، وَهِىَ عِبارَةٌ عَن كَمالِ الذاتِ وَكَمالِ الوُجُودِ وَلا يُوصَفُ بِها إلاَّ اللهٌ تَعالى كَمَا فِي الآيَةِ: وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السمواتِ والأرضِ (37 - الجاثية) . وإسْتِكْبارُ الخَلْقِ: إمْتِنَاعُهُم عَن قَبولِ الحَقِّ مُعانَدَةً وَتَكَبُّرًَا. قَال تَعالى: إنَّهُم إذا قِيلَ لَهُم لا إِلَه إلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُون (35 - الصافات) ، إنَّ اللهَ لايُحِبُّ المُسْتَكْبِرِين (23 - النحل) ، مَا أَغْنَى عَنكُم جَمعُكُم وَما كُنْتُم تَسْتَكْبِرون (48 - الصافات) ، وَمَعْنِى يِسْتِكْبِرون أنَّهُم يَرَوْنَ أنْفُسَهُم أفْضَلُ خَلْقِ اللهِ وَأنَّ لَهُم مِنَ الحَقِّ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِم، وَأَكْثَرُ مَايِنْطَبِقُ هَذا عَلى اليَهودِ إذْ إدَّعَوا أنَّهُم شَعْبُ اللهِ المُخْتار تَكَبُّرًا عَلى الآخَرِين، فَالإسْتِكْبارُ لا يَكونُ إلا لِله عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: لا يَدْخُلُ الجنَّةَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْر، وَيُؤَيِّدُ هَذا ما جَاءَ فيِ قَولِه تَعالى: إنَّ الذينَ يَسْتَكبِرون عَن عِبادَتي سَيَدخُلون جَهنَّم دَاخِرِين (60 - غافر) ، وَكانَ أَوَّلُ المُسْتَكبِرين مِنْ خَلقٍ اللهِ سَبحانَه هُو إبْليسُ، قَال تَعالى: إلا إبْليسَ أَبَى واسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافِرين (34 - البقرة) ، فَرَفَضَ الأمْرَ بِالسجودِ لآدَمَ عَليه السلام. كَمَا اسْتَكْبَرَ فِرعونُ والمَلأُ مِن حَولِه عَلى دَعوةِ مَوسى عليه السلام، قَالَ تَعالى: وَلَقَد جَاءَهُم موسى بِالبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرضِ (39 - العنكبوت) ، كَمَا اسْتَكْبَرَ أَقوامُ الأنبياءِ كِنوحٍ وِعادٍ وَشُعَيب وَخَاتَم الأنْبِياءِ عليهِم صلواتُ اللهِ، قَال تَعالى: مٌسْتَكْبِرينَ بِه سَامِرًَا تَهْجُرون (67 - المؤمنون) ، مُتَكَبِّرينَ عَلى المُسلِمين بِالبيتِ الحَرِام، وَلِذا قَالَ تَعالى: سَأَصْرِفُ عَن آياتِي الذينَ يَتَكَبَّرون في الأرضِ بِغيرِ الحَقِّ (146 - الاعراف) ، أَي: أجْعَلُ جَزاءَهُم الإضْلالَ عَن هِدايَةِ آيَاتِي. والكِبْرُ والتَكَبُّر والإسْتِكْبار تَتَقارَبُ، فِالكِبْرُ: الحَالَةُ التي يَتَخَصَّصُ بِها الإنِسانُ مِنْ إعْجَابِه بِنَفْسِه، وَذلِكَ أَنْ يَرَى الإنْسانُ نَفْسَه أَكْبَرَ مِن غَيْرِه، وَأَعْظَمُ الكِبْر: التَكَبُّرُ عَلى الله عزَّ وَجَل بَالإمَتِناعِ عَن قَبولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَه بِالعِبَادَة. والإسْتِكْبار: يُقال عَلى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَتَحَرَّى الإنسانُ ويَطلُبُ أَنْ يَصيرَ (كَبيرًا) وَليسَ مُتَكَبِّرًَا، وذلِكَ مَتى كانَ عَلى مَا يَجِبْ، وفِي المَكانِ الذي يَجِب، وفِي الوَقْتِ الذي يَجِب، فَتَكونَ الأَفْعالُ الحَسَنَة كَثيرَةً فِي الحَقيقَةِ وَزائِدةً عَلى مَحاسِنِ غيره، وَعَلى هَذا فإنَّ وَصْفَ اللهِ تَعالى بِالتَكَبُّرِ مَحمودٌ، قَالَ تَعالى: العَزيزُ الجَبَّارُ الُمَتَكبِّر (23 - الحشر) ،