السَّبحُ والسِّباحةُ: العَوْمُ، سَبَحَ في النَّهْرِ وَفيه يَسْبَحُ سَبْحًَا وسِباحَةً، والسوابِحُ: الخَيْلُ لأَنَّها تَسبَحُ، وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَة. وَالنُّجومُ تسبحُ في الفَلَكِ سَبْحًا إذا جَرت في دَوَرَانِها. قال تعالى: والشَّمْسُ وَالقَمَرُ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحون (33 - الأنبياء) . أَمَّا قَوْلُه تَعالى: إِنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًَا طويلًا (7 - المزمل) ، إِنَّما يَعني فَراغًَا طويلاَ وَتَصَرُّفًا. وَقَولُه تَعالى: وَالسَّابِحاتِ سَبْحًَا (2 - النازعات) ، هِيَ النُّجومُ التي تَسبحُ في الفَلَكِ كَمَا يَسبَحُ السَّابِحُ في الماءِ سَبْحًَا، وَقيلَ السابحات: السُفُن، وقيل السابحات: الخَيْلُ، وَقيلَ أَرْواحُ المُؤمِنينَ تَخرجُ بِسهولَة، وَقيلَ المَلائِكةُ تسبحُ بَيْنَ السماءِ والأَرضِ. وَسَبَحَ بِهِ الكَلامُ: إِنْ أَكْثَرَ مِنه. وَالتَسبيحُ: التَنْزيه، وَسُبحانَ اللهِ مَعناه: تَنزيهًا لِله مِنَ الصَّاحِبَةِ والوَلَد. وَقيلَ تَنْزيهُ اللهِ تَعالى مِنْ كٌلِّ ما لا يَنْبَغي لهُ أنْ يُوصَف بِه، وَقَوْلُه تَعالى: سُبحانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلًا (1 - الإسراء) ، مَنصوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعنى أُسَبِّحُ اللهَ تَسبيحًَا، وَقيلَ: كَمَا أَنَّكَ تَرَى الفَرَسَ يَسْبَحُ في سُرعَتِه فَإِنَّ سُبحانَ الله: السُّرعةُ إِلَيْهِ وَالخِفَّةُ في طَاعَتِه. وَقِيلَ سٌبْحانَ اللهِ: أُبَرِّئٌ اللهَ مِنَ السُّوءِ بَراءَةً. وَسُئِل عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنه عَن (سُبحانَ الله) فَقَال: كَلِمَةٌ رَضِيَها اللهُ لِنفسِه فَأَوْصَى بِها. وَقَد وَرَدَ تسبيحُ اللهِ تَعالى في مَطْالِعِ سُوَر: الإسراء والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى. وَفي قَولِه تَعالى: أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ في السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالطَيرُ صافَّاتٍ كُلٌّ قد عَلِمَ صَلاتَهٌ وَتَسْبيحَهٌ (41 - النور) الطيرُ تَبسُطُ أَجْنِحَتَها دونَ تحريكٍ وَلا إسْتِقْرارٍ عَلى الأَرْضِ تُسَبِّح اللهَ فَذلِكَ مِنْ أَبْدَعِ صُنْعِ اللهِ تعالى، وفي هذه الآيَةِ تَقريعٌ لِلكُفَّارِ حيثُ جَعَلوا مِن الجَماعاتِ التي مِن شَأنِها التسبيحُ لله تَعالى شُركاءَ لَهُ يَعبدُونَها كَعِبادَتِه، وَيٌؤَكِّدُ ذلِكَ قَولُه تَعالى: وَإِنْ مِنْ شيءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه وَلكِنْ لا تَفقَهونَ تَسْبيحَهُم (44 - الإسراء) ، قِيلَ: وَالأَشْياءُ كُلُّها تُسَبِّحُ لَه وتَسجد، بَعْضُها بِالتَسخيرِ وَبَعْضُها بِالإِخْتِيارِ، وَلا خِلافَ أَنَّ السماواتِ وَالأَرْضَ وَالدَوابَّ مسبحاتٌ بِالتَسْخيرِ، مِنْ حيثُ إِنَّ أَحْوالَها تَدُلُّ على حِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وَكُلُّ مَا خَلَقَ اللهُ يُسبحُ بِحَمْدِه وَإنَّ صَريرَ الَّسقفِ وَصَريرَ البابِ مِن التَسبيحِ، فَيَكونُ بِهذا: الخطابُ لِلمُشرِكينَ وَحدَهُم، وَلَكِن لا تَفْقَهونَ تَسبيحَهُم ولا تَفقَهون أَثَرَ الصَّنعَةِ في هذِه المَخْلوقات. وَمِْن صِفاتِ اللهِ تَعالى: السُّبوح القُدُّوس، والسبوح: الذي َتَنزَّه عَنْ كُلِّ سوءٍ، وَالقُدُّوس: المُبارَك وَقيلَ الطاهِرُ. وَقَولُه تَعالى: فَسُبحانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وحين تُصْبِحون (17 - الروم) ، يَأْمُرُهُم بِالصَلاةِ في هذِه الأَو قات، وَكذلِكَ قَولٌه تَعالى: وسَبِّح بِالعَشِيِّ وَالإِبْكارِ (41 - آل عمران) . وَقَولُه سُبْحانَه: فَلَولا أَنَّه كانَ مِنَ المُسَبِّحين (143 - الصافات) ، أَرادَ مِنَ المُصَلِّينَ قَبْلَ ذلِك، وَقيلَ إِنَّما ذلِكَ لأَنَّهُ قَالَ في بَطْنِ الحوتِ في قَولِه تَعالى: لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمين (87 - الأنبياء) ، عَلى نَبِيِّنَا وَعلى يُونُسَ الصلاةُ واَلسلام. وَقَوْلُه تَعالى: يُسبِّحون الَّليْلَ والنهارَ لا يَفْتُرون (20 - الأنبياء) يقال إنَّ مَجرى التسبيحِ فيهِم كَمَجرى الَّنفَسِ منا لا يَشغَلُنا عَن النفسِ شيءٌ. وقوله تعالى: أَلَم أقُل لكُم لَولا تُسَبِّحون (28 - القلم) أي تَسْتَثْنُون، وفي الإستثناء تعظيمٌ لله والإقرارِ بِأنَّه لا يَشاءُ أَحَدٌ إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ فَوَضَع تَنزيهَ اللهِ تَعالى مَوضِعَ الإِسْتِثْناءِ. وَحَضَّنا سُبحانِه على التَقَرُّبِ إِليهِ لَيْلًا بِالتَسبيحِ وَالنَّوافِل، قَالَ تَعالى: وَمِنَ الَّليْلِ فَسَبِّحْهٌ وَأَدْبارَ السُّجُود (40 - ق) ، وَمِنَ الَّليْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدبَارَ النُّجُوم (49 - الطور) ، وَمِنَ الَّليْلِ فَاسْجُد لَه وَسَبِّحهُ لَيْلًا طَويلًا (26 - الإنسان) . وَفَسَّر بَعْضُ العُلَماءِ (ليلًا) بِصَلاتَيْ المَغْرِبِ وَالعِشاءِ أَو بِصلاةِ الفَجْرِ، والسُّبْحَةُ: الدُّعاءُ وَصَلاةُ التَطَوُّعِ وَالنَّافِلَةِ، لأَنَّ التَسبيحَ تَعْظيمٌ لِله وَتَنزيهُه عَنْ كُلِّ سوءٍ. وَالسَّبحُ: النَّوْمُ نَفْسُه، وَيقال السَّبْحاتُ: مَواضِعُ السُّجود. وَالُّسبْحَةُ: الخَرَزاتُ التي يَعُدُّ بِها الُمَسِّبحُ تسبيحَه.