قال تعالى: فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالساحِلِ (39 - طه) ، أَي: شَاطِيِء البَحرِ، أَصْلُه مِن: سَحَلَ الحَديدَ، أي: بَرَدَهٌ وقَشَرَهُ، وقيلَ أَصْلُه أَنْ يَكونَ مَسْحولًا، لكِن جَاءَ على لَفظِ الفاعِل كَقَولِهِم: هَمٌّ ناصِب وليلٌ ساهِر. وَقيلَ بَل تُصُوِّرَ مِنه أنَّه يَسْحَلُ الماءَ، أي يُفَرِّقهُ ويُضّيَعه. والسُّحَالَةُ: بُرَادَةُ الحديد.
سَخِر منه وبه سَخْرًا وسَخَرًا وسُخرًا وسُخْرِيًا. سَخَر به: هَزِئَ به، وسَخِرَ منه هي الُّلغةُ الصحيحة. قال تَعالى: لا يَسْخَر قومٌ من قومٍ (11 - الحجرات) ، أَي: لا يَحتَقِر بعضُ المُؤمنين بَعْضَا، مِن السُّخرِيَّة وهي إحتقارُ الإنسانِ قَولًا أَو فِعلًا. قال سُبحانه: وَيَصنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عليه مَلأٌ مِن قَوْمِه سَخِروا مِنه، قال إنْ تَسْخَروا مِنَّا فَإِنَّا نَسخَرُ مِنكُم كَما تَسخَرون (38 - هود) ، أَي: نَهزَأ بكُم حين نركَبُ السفينةَ وتَغرقُون بِالطُوفان، أَمَّا سُخريةُ الكافِرين فهي إسْتِهْزاؤُهُم بِسيِّدنا نوحٍ عليه السلام لِصُنْعِه السفينة. وفي قَوْلِه تَعالى: الذين يَلمِزون المُطَّوَعينَ مِنَ المُؤمِنين في الصَّدَقاتِ والذين لا يَجِدُون إلا جُهْدَهُم فَيَسخَرون مِنهُم سَخِر اللهُ منهُم ولهم عذابٌ أَليم (79 - التوبة) ، هذا مِن بابِ المُقابَلةِ على سوءِ صَنيعهِم وإسْتِهْزائِهِم بِالمُؤمِنين لأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَل فَعَامَلَهُم مَعَامَلَةَ مَن سَخِرَ مِنهُم إِنْتِصَارًَا لِلمُؤمنين في الدنيا، وذلك مِثْل قولِه تَعالى: ويَمْكُرونَ وَيَمْكُرُ الله. وَقَوْلُه تَعالى: أَتَّخْذْناهُم سُخرِيًَّا أَم زَاغَت عَنْهُم الأَبْصار (63 - ص) ، أَنْكَروا على أَنْفُسِهِم ذلِكَ الإستِخْسار حيثُ لَمْ يَرَوهُم مَعَهُم في النَّار، إذْ في الآيةِ السابِقَةِ يِتَساءَلون: ما لَنا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِنَ الأشْرار كبِلال وعَمَّار وصُهيب وسَلمان. ويَستخْسِر: يَسخَر ويهزَأ كَما في قولِه تعالى: وإِذا رَأِوْا آيةً يَستَسخِرون (14 - الصافات) ، أِي: يُبالِغون في السُخرِية والإسْتِهزاءِ. وِقَبْلَ هذه الآية قولُه سُبحانه: بَل عَجِبْتَ ويَسخَرون (12 - الصافات) ، أي: يَسخَرون مِنْ تَعَجُّبِك من قُدرَةِ الله تعالى على هذه الخلاِئقِ العظيمةِ وإنكَارِهُم البعث. والتَسْخيرُ: سِياقَةٌ إلى الغَرضَ المُخْتَصِ بِهِ قَهْرًِا، والسُّخْرِيُّ هو الذي يُقهَر فَيَتَسخَّر بِإرَادَتِه، قال تَعالى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بِعْضًَا سُخريًا (32 - الزخرف) ، أَي: لِيَستخدِمَ بعضُهُم بعضًَا في مَهامهِم فيكون بينَهم من التَعاونِ والترافُدِ ما يَنتَظِمُ بهِ أمرُ المعاشِ والعُمْران. وسَخَّره تَسْخيرًَا: كَلَّفَه عَمَلًا بِلا أُجرَة، والإِسم: السُخرِة. وَسَخَّرَ: سَلَّطَ، كما في قولِه تَعالى: سَخَّرَها عليهِم سَبعَ لَيالٍ (7 - الحاقة) ، سَلَّطَ عليهِم بِقُدرَتِه الريحَ العاتِيَةَ المُدَمِّرة، وسَخَّر: ذَلَّل وَقَهَر. والَتَسخيرُ: التذليل. يُقال: سَخَّر الله السفينةَ تَسْخيرًَا: ذَللَّها حتى جَرَت وَطَابَ لها السَّير. وكُلُّ مَا ذَلَّ وانْقادَ وتَهَيَّأَ لك على ما تُريد فَقَد سُخِّرَ لَكَ وهو سُخرِي. قال تَعالى: وسَخَّر لكُم الفُلكَ لِتجريَ في البَحرِ بِأمرِه وسَخَّر لكُم الآنهارَ وسخَّر لكُم الشمسَ والقمرَ دائِبَين وسَخَّرَ لكم الليلَ والنَّهار (32 و 33 - إبراهيم) ، وقولُه تَعالى: وهو الذي سَخَّر البَحْرَ لِتَأكُلوا منه لَحِما طَرِيًَّا وتستخرجوا منه حِليَةً تَلبسونَها (14 - النحل) ، وسَخَّر اللهُ سُبحانَه لِداودَ عليهِ السَّلام الجِبَالَ والرِّيحَ والطَيَر. قال سُبحانَه: وسخرنا مَعَ دَاودَ الجِبالَ والطَّيرَ (79 - الأنبياء) ، وقولُه سُبحانَه: فَسَخَّرنا لهُ الرِّيحَ تجْري بِأَمْرِه رُخاءً حيثُ أَصاب (36 - ص) . والله سُبحانَه وتَعالى سَخَّر لِعِبادِه كلَّ ما يَنفعُهُم في حياتِهِم في الأرضِ كَانَ أَو في السَماءِ. قال تعالى: وسّخَر لكُم ما في السماواتِ وما في الأرضِ جميعًا (13 - الجاثية) . وَتَسخيرُ ما في السماواتِ: تَسخيُر الشمسِ والقمرِ والنُّجُومِ، وَتَسخيرُ ما في الأرض: تَسخيرُ بِحارِها وأَنْهارِهَا ودوابِّها وجميعِ مَنَافِعِهِا. وكلُّ هذا التسخيرِ مِن الله عزَّ وجل لَعَلَّنا نَشكُرُه ونُكَبِّرُه على ما هَدانا فَلَهُ الحمدُ والشُّكْر.