السَّحت: القِشْرُ الذي يُستأَصَل، يُقال: سَحَته وَأَسْحَتَه، وَمِنْه السَّحْتُ والسُّحْتُ لَلمَحظُورِ الذي يَلزَمُ صاحِبَه العَارُ، كَأَنَّه يُسحِتُ دينَه ومُروءَتَه. السُّحْتُ والسَّحْتُ: كُلُّ حَرَامٍ قَبيحِ الذِّكْرِ. وَقيلَ هُوَ مَا خَبُثَ مِنَ المَكاسِبِ وَحَرُمَ فلَزَمَ فيه العارُ وَقَبيحُ الذِّكْرِ كَثمَنِ الكَلْبِ وَالخِنْزيرِ وَالخَمْرِ، وَكُلُ حرامٍ لا يَحِلُّ كَسْبُه لأِنَّهُ يَسحَتُ البَرَكَةَ، أَي: يُذهِبْها، وَيُذهِبُ فَضيلَةَ الإِنْسانِ وَيَستَأصِلَها. وَأَسْحَتَت تِجارَتُه: خَبُثَت وَحَرُمَت، وَالجَمْعُ: أَسْحات. وَكُلُّ آياتِ السَّحْتِ التي وَرَدَت في القُرآنِ الكَريم نَزَلَت في اليَهودِ، فَهُم أَرْغبُ الناس ِفي المالِ الحَرامِ وأَحرَصُهم عليه، قَال تَعالى: سَمَّاعون لِلكَذِبِ أَكَّالونِ لِلسُّحتِ (42 - المائدة) ، كَالرِّبا وَالرِّشْوَةِ. وَرَغْمَ أَنَّ أَكْلَ السُّحْتِ وَرَدَ بِصيغَةِ المُبالَغَةِ فَقَد كانوا يُبادِرون إِلى أَكْلِ المَالِ الحَرامِ وَالظُّلْمِ وَمُجَاوَزَةِ الحَدِّ، قَال تَعالى: وَتَرى كَثيرًا مِنْهُم يُسارِعون في الإِثْمِ وَأَكْلِهِمُ السُّحتَ لَبِئسَ ما كان يَعْمَلون (62 - المائدة) ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الإِنْجيلِ وَعُلماءِ التوراةِ تَرَكوا النَّهيَ عَنْ هَذِهِ الُمنكَرات، قال تَعالى: لَوْلا يَنْهاهُم الرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ عَنْ قَولِهُم الإِثمَ وَأَكْلِهُم السُّحِتَ لَبِئْسَ ما كانوا يَصنَعُون (63 - المائدة) ، قَال إبنُ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ما فِي القُرآنِ آيةٌ أَشدُّ تَوبيخًَا مِن هذِهِ الآيَة. وَقَد هَدَّدَهُم موسى عليهِ السلام بِالإِسْتِئصالِ إنْ لَم يَتَوقَّفوا عَن الإِفْتراء، قال تَعالى: قالَ لهُم موسى ويْلَكُم لا تَفْتَروا على الله كَذِبًا فَيُسحِتَكُم بِعَذابٍ وَقَد خَابَ مَنْ إفْتَرى (61 - طه) ، يُقال: أَسحَتَ مالَه إِسْحاتًا: استَأصَلَه وأَفْسَدَه كَسَحَتَه سَحتَا. وقال عليه السلام: كُلُّ لحمٍ نَبَت مِنْ سُحتٍ فَالنارُ أَوْلى بِهِ، وسُمِّيَت الرشوة سُحْتًَا لذلك.
السَّحْر والسُّحْر والسَّحّر: ما التَزَقَ بِالحُلقومِ والمَريءِ مِن أَعْلى البَطنِ، وَالسُّحارَة: ما يُنْزَعُ من السَّحر عِنْدَ الذَّبْحِ فَيُرمَى بِهِ، وَمِنْه اشْتُقَّ السَّحْر وهو إصابةُ السَّحَر. والسِّحْرُ مِنَ الكَبائِرِ. قَالَ أَصْحابُ أَبي حَنيفة: مَن تَعَلَّم السِّحْرَ لِيَتَّقِيَه أَو لِيَتَجَنَّبِهُ فَلا يَكْفُر، وَمَنْ تَعَلَّمَه مُعتقِدًا جَوازَه أَو أنَّه يَنفَعُه كَفَر. وَكَذا مَنْ أعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطين تَفْعَلُ لَهُ ما يَشاءُ فَهو كَافِرٌ. قَال تَعالى: وَمَا كَفَرَ سُليمانُ وَلكِنَّ الشيَاطِينَ كَفَروا يُعَلِّمونَ الناسَ السِّحْرَ (102 - البقرة) . وكُلُّ ما لَطُف مَأخَذُه وَدَقَّ فهو سِحْرٌ، وَالجَمْعُ أَسْحارٌ وَسُحُور، سَحَرَه يَسحَرهُ سَحرًا وسِحرًا، وَرَجُلٌ ساحِر مِنْ قَوْمٍ سَحَرَة. قَالَ تَعالى: فَجُمِعَ السَحَرَةُ لِميقاتِ يومٍ معلومٍ ... (38 - الشعراء) ، هُوَ وَقْتُ الضُّحى مِنْ يَومِ الزِّينَة. ورجلٌ سحَّارٌ مِنْ قَومٍ سحَّارين، شُدِّدَ للمبالغة بِأَنَّه مَرْجِعٌ لِلسِحرِ عَالِمٌ بِهِ أَكْثَر مِن غَيرِه مِنَ السَحَرَة، قال تعالى: يَأتوكَ بِكُلِّ سحَّارٍ عليم (37 - الشعراء) . والسِّحر: الأُخذَة حتى يَظَهرَ أَنَّ الأَمرَ كَمَا يُرى وَليسَ الأَصلُ عَلى ما يُرَى، وَيَقولُ سُبْحانَه: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَروا أَعيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُم وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظيمٍ (116 الأعراف) ، فَخَيَّلوا لِلناسِ ما يُخالِف الحقيقةَ. قَال تَعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْه ِمِنْ سِحْرهِم أَنَّها تَسعى (66 - طه) ، فَقَد سَحَروا عَيْنَ موسى عَليه السلام وَأَعْيُنَ الناسِ حَتى خُيِّلَ لَهُم أَنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ حَياتٌ تَسعى على بُطُونِها. وَأَصْلُ السِّحْرِ صَرفُ الشيءِ عَنْ حَقِيقَتِه إِلى غَيْرِه. قال تعالى: فَأَنَّى تُسحَرون (89 - المؤمنون) ، أَي: فَكَيْفَ تُخدَعون وَتُصرَفون عَن الرُّشدِ وَالحَقِّ، مَع عِلمِكِم بِه إِلى ما أَنْتُم عَليه مِنَ الغَيِّ، فَإِنَّ مَنْ لا يَكونُ مَسحورًِا مُختَلَّ العقلِ لا يكونُ كَذلِك. وَقَوْلُه سُبحانه: وَلَوْ فَتَحْنَا عَليهِم بَابًَا مِنَ السماءِ فَظَلُّوا فيه يَعرُجُون لَقَالوا إِنَّما سُكِّرَت أَبصارُنا بَل نحنُ قومٌ مَسحُورُون (14 و 15 - الحجر) ، أَي: وَلَوْ فَتَحنا لِكُفَّارِ مكةَ المُعانِدين بَابًا مِن السماءِ يَصْعَدونَ فيه ويَنْظُرونَ إِلى مَلكُوتِ السماواتِ وَما فيها مِنَ المَلائِكَةِ وَالعَجائِبِ لَقالوا لِفَرطِ عِنادِهم وَجُحُودِهم إِنِّما سُدَّت أَبْصارُنا وَما نَرى إِلا تَخْييلًا لا حَقِيقَةً له بَلْ نَحنُ مَسحُورون في عُقُولِنا بِسِحْرٍ صَنَعَه مُحمد. وَهَناكَ فَرقٌ بَيْنَ السِّحْرِ الذي يُمارِسه السَّحَرةُ الكافِرون وبِينَ المُعجِزَةِ التي آتاها اللهُ سُبحَانَه نَبِيَّه موسى عَليه السلام، فَالمُعجِزَة خارِجَ قُدْرَةِ البَشَرِ وَتَخْرِقُ النَّواميسَ المَعروفةَ لَدَيْهِم، وَقَد أَدْرك سَحَرَةُ فِرعونَ ذلِكَ بِحُكْمِ عِلمِهِم بِالسِّحرِ فَأَعْلَنوا إيمَانَهُم فَوْرًا وَخَرُّوا سُجَّدا، وَجاءِ هذا في قَولِه سُبحانه: وَألَقْ ما في يمينِكَ تَلْقَف ما