التي يَنوءُ بِحَمْلِهَا الرِّجَال، قِيلَ لَه لا تَفْرَح بِكَثْرَةِ المالِ في الدُنْيِا لأنَّه سَيُصْرَفُ في غَيرِ أَمرِ الآخِرَةِ، وقيلَ لا تَفْرَح: لا تَأْشَر، قَال تَعالى في الفَرَحِ المَذمُوم: ذلِكَ بِما كُنْتُم تَفْرَحون في الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ (75 - غافر) ، وقَال تَعالى: فَرِحَ المُخُلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِم خِلافَ رسولِ الله (81 - التوبة) ، هُم المُنافِقُون الذينَ كانَ يَسُرُّهُم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزَواتِه. وفِي الفَرَحِ الَمحمود قوله تعالى: وَيَومّئِذٍ يَفرحُ المُؤمِنون بِنَصْرِ الله (4 - الروم) ، حيثُ إنْتَصَر الرُّومُ وهُم أَهْلُ كِتاب على الفُرْسِ المُشْرِكُون. وَقَال تَعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِه فَبِذلِكَ فَلْيِفْرَحُوا (58 - يونس) ، إيذانٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنْ يَسْعَدُوا بِمَا جاءَهُم مِنَ الهُدَى ودينِ الحَقِّ الذي هُوَ خَيرٌ مِن حُطامِ الدُنيا، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الكَتابِ يُسَرُّونَ بِذلِك. قَال تَعالى: والذينَ آتَيْنَاهُم الكَتابَ يَفرَحون بِمَا أُنْزِلَ إلَيك (36 - الرعد) . وقَولُه تَعالى: فَرِحينَ بِمَا آتَاهُم اللهُ مِن فَضْلِه (170 - آل عمران) هُم الشُهَداءُ عندَ اللهِ سَبحانَه وما هُم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والغِبْطَة وقُرْبِهِم مِنَ الأَنْبِيَاء عليهِم صَلَواتُ الله. والمُفْرَح والمَفروح: الذي قَد أَفْرَحَه الدَّيْنُ أَي أَثْقَلَه ولا يِجِدُ قَضاءَه، وَمُفرَح: أَثْقَلَه العِيالُ وإنْ لَم يَكُن مُدانًَا. وفي الكِتابِ الذي كَتَبَه سَيِّدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المُهاجِرين والأَنْصارِ: أَنْ لا يُتْرَك مُفْرَحًَا حَتى يُعِينُوه عَلى ما كانَ مِنْ عَقْلٍ أَو فِداء، والمُفْرَح: الَمْفُدوح.
الفَرْد: الذي لا يَخْتَلِطُ بِه غَيرُه، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الوِتْرِ وأَخَصُّ مِنَ الوَاحِد. الفَرْدُ في صِفاتِ اللهِ تَعالى هو الوِاحِدُ الأَحَد الذي لا نَظيرَ لَه، فَلا مِثْلَ ولا ثَانٍ، المُسْتَغْنِي عَمَّا عَدَاه. ويُقَالُ في اللهِ سُبحانه (فرد) تَنْبيهًَا أَنَّه بِخِلافِ الأَشِياءِ كُلِّهَا في الإزْدِوَاجِ المُنَبَّه عَليه بِقولِه تَعالى: ومِنْ كُلِّ شيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن (49 - الذاريات) . وإذَا قيلَ: هُوَ مُنْفَرِدٌ بِوَحْدَانِيَّتِه، فَمَعْنَاه هُو مُسْتَغْنٍ عَن كُلِّ تَركيبٍ وإزْدِواجٍ تَنْبِيهًَا أَنَّه مُخَالِفٌ لِلمَوْجُودَاِت كُلِّها. والفَرْدُ: الوِتْرُ والجًمْعُ أَفْراد وَفُرَادَى، والفَرْدُ نِصْفُ الزَّوجِ، وأفْرَدَه: جَعَلَه فَرْدًَا، وَجَاؤوا فُرَادَى: واحِدًَا بَعْدَ وَاحِد. وقَولُه تَعالى: وَلَقَد جِئْتُمُونَا فُرادَى كَمَا خَلَقْنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْناكُم وَراءَ ظُهُورِكُم وَمَا نَرَى مَعَكُم شُفَعَاءَكُم الذينَ زَعَمْتُم أَنَّهُم فِيكُم شُرِكَاء (94 - الأنعام) ، نَزَلَت في الذينَ إدَّعَوْا النُبُوَّةَ وَيُوَبَّخُونَ فِي مَوْقِفِ الحِساب بِسُؤالِهِم: أَيْنَ أمْوالُكُم؟ أَي: شُفُعاؤُكُم وَشُركَاؤكُم، وَيَجيئونَ فَرْدًَا فَردًا وَيُسْأَلُ كُلُّ فَرْدٍ على حِدَة. وَفُرَادى جَمْع، والعَرَب تَقول: قُوُموا فُرّادّى، شُبِّهَت بِثَلاث وَرُبَاع، فِي قَوْلِه تَعالى: قُلْ إنَّما أَعِظُكُم بِواحِدَةٍ أَنْ تَقَوموا لله مَثْنَى وفُرادَى ثم تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُم مِن جِنَّةٍ (46 - سبأ) ، أَنْ تَجْتَهِدُوا في الأَمْرِ بِإخْلاصٍ لِوَجْهِ الله تَعالى مُتَفَرِّقين إثْنَيْنِ إثْنَين وَوَاحِدًَا واحِدًَا فِي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَرِسالَتِه ومَا جَاءَ فِيها فَيَتَّفِقَانِ ضِدَّ الإثْنَين بِالتَفكيرِ والتَأَمُّلِ في أَمْرِه، وَيَنْظُرُ الواحِدُ بِأَمْرِه بِنَزَاهَةٍ وَيَسْأَلُ بَعضُكُم بَعْضًَا: هَل بِمَحَمَّدٍ مِنْ جُنُون، وَيَنْصَحُ بَعضُكُم بَعْضًَا فَعِنْدَ ذلِكَ تَعلمُونَ أَنَّه عَلى حَق. وفي دُعاءِ زَكرِيا عليه السلام أَنْ يَهَبَهُ اللهُ ولَذا يَكُونُ مِنْ بَعْدِه نَبِيًَّا يَقُولُ تَعالى: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًَا وأنتَ خيرُ الوارِثِين (89 - الأنبياء) ، أَي: لا وَلَد لِي وَلا وَارِث يَقومُ بَعْدِي فِي النَّاس. وقَوْلُه تَعالى: وَنَرِثُه مَا يَقوُل وَيَأْتِينَا فَرْدًَا (80 - مريم) ، لا مَالَ لَه وَلا وَلَد، لا يَتْبَعُه قَليلٌ وَلا كَثير. وكَذلِكَ قولُه تَعالى: وَكُلُّهُم آتِيِه يومَ الِقيامَةِ فَرْدًَا (95 - مريم) ، لا نَاصِرَ ولا مُجِير، فَيَحْكُمُ سُبَحانَه في خَلْقِه بِما يَشاء وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.