وإنْعَامِه المُتَظَاهِر، وإذَا وُصِفَ بِه الإنسانُ فَهو إسْمٌ لِلأخْلاقِ والأفْعَالِ المَحْمُودَةِ التي تَظْهَرُ مِنْه، وَلا يُقالُ: هُوَ كَريمٌ حَتى يَظْهَرَ ذلِكَ مِنه. والكَرَمُ لا يُقالُ إلا فِي المَحاسِنِ الكَبيرَةِ كَمَن يُنْفِقُ مَالًا فِي تَجْهيزِ جَيْشٍ فِي سَبيلِ الله، وقَولُه تَعالى: إنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتْقاكُم (13 - الحجرات) ، فَإنَّمَا كانَ ذلِكَ لأنَّ الكّرَم هو الأَفعالُ المَحمُودَةُ، وَأَكْرَمُها وَأَشْرَفُها مَا يُقصَد بِه وَجْهُ اللهِ تَعالى، فَمَن قَصَد ذَلِكَ بِمَحاسِنِ فِعْلِه فَهُوَ التَقِيُّ، وَكُلُّ شيءِ شَرُفَ فِي بَابِه فَإنَّه يُوصَفُ بِالكَرَمِ، قَالَ تَعالى: كَمْ أَنْبَتْنَا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَريم (7 - الشعراء) : صِنْفٌ حَسَن كَثيرُ المَنافِع، وَقَولُه تَعالى: وَزُروعٍ وَمَقامٍ كَريم (26 - الدخان) . والتَكْريمِ والإكْرامِ: أَنْ يُوصَل إِلى الإِنْسانِ إكْرامٌ، أَي: نَفْعٌ لا يَلْحَقُه فيهِ غَضَاضَة، أَو أَنْ يُجْعَلَ مَا يُوصَلُ إلَيهِ شيءٌ كَرِيمٌ، أَي: شَريفٌ، قَالَ تَعالى: هَل أَتاكَ حَديثُ ضَيفِ إبراهِيمَ المُكْرَمِين (24 - الذاريات) ، أَي: المُكْرَمينَ عِندَ اللهِ سُبحانَه بِدَليلِ قولِه تَعالى: بَل عِبادٌ مُكْرَمُون (26 - الأنبياء) ، وَمِنْهُم جِبريلُ وَمِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ عَليهِم السلام. قَالَ مُجاهِد: سَمَّاهُم مُكْرَمِين لِخِدْمَةِ إبْراهيمَ عَليه السلام إيَّاهُم بِنَفْسِه. وَقَال تَعالى: وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين (27 - يس) ، بما حصل لي مِنَ الجزاء والنعيم المقيم، والإسمُ مِنْه: الكَرَامَةُ. وَأكْرَمَ الرُّجُل َ وَكَرَّمَه: أَعْظَمَه وَنَزَّهَه، قَال تَعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم (28 - الحج) ، أَي: مَنْ أَشْقَاهُ اللهُ فَلَنْ يُسعِدَه أَحَد. وَقَولُه تَعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13 - عيسى) ، مُعَظَّمَة وَمُوقَّرَة مَعها كَلامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وقَال سُبحانه: وَقَالوا اتَّخَذَ الرحمنُ وَلَدًَا سُبحانَه بَل عِبادٌ مُكْرَمُون (26 - الانبياء) ، هُم المَلائِكَةُ عِبادُ اللهِ فِي مَنازِلَ عَالِيَةٍ وَمَقامَاتٍ سَامٍيَةٍ وهُم فِي طَاعَةِ اللهِ قَولًا وَفِعْلًا، كَذلِكَ فِي قولِه تَعالى: أؤلئِكَ فِي جَناتٍ مُكْرَمُون (35 - المعارج) ، هم المُؤمِنون كَما وَصَفَهُم سُبحانه في القُرآنِ الكَريم. وَقَوْلُه تَعالَى: بَل لا تُكْرِمونَ الَيتيمَ (17 - الفجر) ، لاتَبَرُّونَ بِأمْوالِكُم فَقَراءَ اليَتَامَى، وَخَيرُ بَيْتٍ فِي المٌسْلِمين بِيْتٌ يُكْرَمُ فيهِ يَتيِم، كَمَا أخْبَرَ رسولُ اللهِ صَلى الله عَليهِ وَسَلَّم. وفي الحديثِ قولُه صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ النَّاسِ يَومَئِذٍ مُؤْمِن بَيْن كَريمَيْن، قيلَ بَينْ أبٍ مُؤمِنٍ هُو أصْلُه وإبنٍ مُؤْمِن هُو فَرْعُه، قَال تَعالى: وَقُل لَهُمَا قَولًا كَرِيمًَا (23 - الاسراء) ، لِلوالِدَين قولًا لَيِّنًَا سَهْلًا. وفي قوله تَعالى: إنَّهٌ لَقُرآنٌ كَريم (77 - الواقعة) ، جَمُّ الفَوائِدِ والمَنافِعِ لاشتِمَالِه عَلى أصُولِ العُلُومِ المُهِمَّةِ فِي إصلاحٍ المَعاشِ والمَعاِد وَعَلى مَا فِيهِ مِنَ الهُدَى والحِكْمَةِ، وقَولُه تَعالى: إنَّه لَقولُ رَسولٍ كَريم (19 - التكوير) ، قَوْلُ جِبريل عَليه السلام فَهو الوَاسِطَةُ فِي تَبْلِيغِ الوَحْي وَهُوَ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ تَعالى إلى نَبِيِّهِ مُحمد صَلى اللهُ عليهِ وَسَلَّم، وَهُوَ مَلَكٌ شَريفٌ حَسَنُ الخُلُقِ بَهِيُّ المْنِظَر، يَنْقُلُ قَوْلًا طَيِّبًَا مِن مَصْدَرٍ طَيِّبٍ إلى رَسولٍ طَيِّبٍ. وَفِي مَوسى عليه السلام: وَجاءَهُم رَسولٌ كَريم (17 - الدخان) هُوَ الكَليمُ مُوسى عَليهِ السلام مُرْسَلٌ إلى فِرعونَ وَقَومِهِ، وفي يوسفَ عليه السلام: إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَريم (31 - يوسف) لِمَا رَأَوْه فِيه مِنْ آثارِ العِصْمَةِ وَجَلالِ النُبُوَّةِ، وَقَد أُعْطِيَ الحُسْنَ والجَمالَ وَأنَّه يُحَبُّ لِذلِك، وَفي قوله تعالى: إنِّي أُلقِيَ إلىَّ كِتابٌ كَريم (29 - النمل) ، أي: كِتابٌ حَسَنٌ مَا فِيه، وَقيلَ مِن رَجُلٍ كَريم، وَهُوَ الكِتابُ المُرْسَلُ مِنْ سُلَيمانَ عَليه السلام إلى مَلِكَةِ سَبَأ يَدْعوها للإسلام، وَلِلمُؤمِنين فِي قَولِه تَعالى: لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريم (74 - الانفال) ، رِزْقٌ طَيِّبٌ وَفيرٌ فِي الدُنْيَا وَالآخِرَةِ. وفي قولِه تَعالى: ذٌقْ إنَّكَ أنْتَ العَزيزٌ الكَرِيم (49 - الدخان) ، وذّلِكَ فِي التَقْريعِ والتَوبِيخِ لأبي جَهل إذْ إدَّعى بِكِبْرِياء أنَّه أمْنَعُ أهْلِ البَطْحاءِ وَأنَّه عَزيزٌ كَريم، وَقَد قُتِلَ يَومَ بَدْر.
الكَرْه - بالفتح - المَشَقَّةُ التي تَنالٌ الإِنسانَ مِنْ خاَرِجٍ فِيمَا يُحمَلُ بِإكْراه، والكُرْهُ مَا يَنَالُه مِن ذَاتِه وَهُوَ يَعَافُه. وَيَصِحُّ أَنْ يَقولَ الإِنسانُ فِي الشيءِ الواحِدِ: إنَّنِي أُريدُه وَأِكْرَهُه، بِمَعْنى أَنِّي أُريدُه مِن حيثُ الطَّبْعِ وأَكْرَهُهُ مِنْ حيثُ العَقلِ أَو الشِرْعِ، أَو أُريدُه مِن حيثَ العَقْلِ