والشرعِ وأَكْرَهُهُ مِنْ حيثَ الطَبعِ، قَال تَعالى: كُتِبَ عليكُم القِتالُ وَهو كُرْهٌ لَكُم (216 - البقرة) ، أَي: تَكْرَهُونَه مِنْ حيثُ الطَبْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ بِقَولِه تَعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهوا شَيْئًَا وَهُو خَيرٌ لَكُم (216 - البقرة) ، أَنَّه لا يَجِبُ لِلإنسانِ أَنْ يَعْتَبِرَ كَراهِيَّتَه لِلشيءِ أَو مَحَبَّتِه لَه حتى يَعْلَمَ حَالَه. وَكَرِهْتُ: يُقالُ فِيهِما جَمِيعًَا إلا أَنَّ إسْتِعمَالَه فِي الكُرهِ أَكْثَر. قَال تَعالى: وَلَو كَرِهَ الكَافِرون (32 - التوبة) ، وإنَّ فَريقًِا مِنَ المُؤمِنين لَكارِهُون (5 - الأنفال) ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتًَا فَكَرِهْتُمُوه (12 - الحجرات) ، تَنْبيهٌ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الأَخِ قَد جَبَلَتْ النَّفْسَ عَلى كَراهَتِهَا لَه وَإنْ تَحَرَّاهُ الإِنْسانُ، وَقولُه تَعالى: لا يَحِلُّ لكُم أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًَا (19 - النساء) وقُريء: كُرْهًَا، قِيلَ إذا مَاتَ الرجلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ كانَ حَميمُه أَحَقَّ بِامْرَأَتِه إنْ شاءَ تَزَوَّجَهَا أَو زَوَّجَها غَيرَه فَهوَ أَحَقُّ بِها مِنْ أَهْلِها أَو تَرُدَّ إليهِ صَداقَها أَو يَعْضِلَها حَتى تَموتَ فَيَرِثُها فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالى الآيَة. والكُرْهٌ - بالضم - المَشَقَّةُ تَحْتَمِلُها مِنْ غَيرِ أنْ تُكَلَّفَها، فَهوَ فِعْلُ المُخْتارِ كَما فِي قولِه تَعالى: ذلِكَ بِأنَّهُم كَرِهوا مَا أَنْزَلَ اللهُ (9 - محمد) ، وَقَولُه تَعالى: وَلَوْ كَرِه المُجْرِمُون (82 - يونس) ، والكَارِه الذي لا يَتَقَبَّلُ أمْرًَا، قَال تَعالى: وَأكْثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهون (70 - المؤمنون) ، أَي: ساخِطُون حَسَدًَا وَبَغْيًَا، وَقَوْلُه تَعالَى: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأنْتُم لَها كَارِهُون (28 - هود) . والإكْراه يُقالُ فِي حَمْلِ الإنْسانِ عَلى مَا يَكْرَهُه، وَأكْرَهْتُهُ: حَمَلْتُه عَلى أمْرٍ هُوَ لَهُ كَارِه كَقولِه تَعالى: ولا تُكْرِهوا فَتَيَاتِكُم عَلى البِغاءِ ... (33 - النور) ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ حَمْلِهِنَّ عَلى ما فِيه كَرْه وُكُره، وَقَوْلُه تَعالى عَلى لِسانِ السَّحَرَةِ: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَليهِ مِنَ السِّحْرِ (83 - طه) ، أجْبَرْتَنَا عَلى العَمَلِ بِه. وَقَولُه تَعالى: إلا مَنْ أُكْرِه وَقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ (106 - النحل) ، أُجْبِرَ قَسْرًَا. وَالكُرْه - بَالضم والفتح - المَشَقَّة، المَعْنَى أنْ يَتَوضَّأَ مَعَ البَرْدِ الشَديدِ وَالعِلَلِ التي يَتَأذَّى مِعَها بِمَسِّ الماءِ وَمَع إعْوِازِه والسَّعْيُ فِي تَحصيلِه وَمَا أشْبِه ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الشاقَّةِ. وفِي الحَديثِ قَولُه صلى الله عليه وسلم: وَإسْباغُ الوُضوءِ عَلى المَكارِه، أي: رَغْمَ الشِدَّةِ. والكُره- بالضم - مَا أكْرَهْتَ عَليهِ نَفْسَك. قَالَ تَعالى: كُتِبَ عَليكُم الِقتالُ وَهو كُرْهٌ لَكُم (216 - البقرة) ، فِيه مَشَقَّةٌ وَتَضْحِيَةٌ بِالنَّفْسِ، وَلَكِن فِيه الخَيرَ الكَثيرَ لأنَّ اللهَ سُبْحانَه لا يَقْبَلُ إلا مَا فِيهِ الحِكْمَةُ والصَلاح. وَكَذلِكَ قولُه تَعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّه كُرْهًَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًَا (15 - الاحقاف) . وَكُلُّ مَا فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وِجَلَّ مِن الكَرْه، فَالفَتْحُ فِيه جَائِزٌ إلا ما جَاءَ فِي آيَةِ القِتالِ، فَالقُرَّاءُ مُجْمِعُون عَلى الضَمِّ. وَالكَره - بالفتح - فِعْلُ المُضْطَرِّ كَقَولِه تَعالى: وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ فِي السماواتِ والأرْضِ طَوْعًَا وَكَرْهًَا (83 - ال عمران) ، قِيلَ مَعناه أَسْلَمَ مَنْ فِي السماواتِ طَوْعًَا ومَنْ فِي الأرْضِ كَرْهًَا، أَي: الحُجَّةُ أَكْرَهَتْهُم وَألْجَأَتْهُم وَليسَ هَذا مِنَ الكَرْهِ المَذْمُومِ. وَقيِلَ: أسْلَمَ المُؤْمِنُونَ طَوْعًَا، والكافِرونَ كَرْهًَا، وعَن قُتادَه: أَسْلَمَ المُؤمِنون طَوْعًَا والكافِرونَ كَرْهًَا عِنْدَ المَوْتِ، وَعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعًَا هو مَن طَالَعَ المُثيبَ والمُعاقِبَ لا الثَّوابَ والعِقابَ فَأَسْلَمَ لَهُ، ومَنْ أَسْلَمَ كَرْهًَا هُوَ مَنْ طَالَعَ الثَّوابَ وَالعِقابَ أَسْلَمَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً كَمَا فِي قولِه تَعالى: ولله يَسْجُدُ مَنْ في السَماواتِ وَالأرضِ طَوْعًَا وَكٍرْهًَا (15 - الرعد) . وَكَرَّه إلَيهِ الأَمْرَ: صَيَّرَه كَرِيهًَا إلَيه نَقيض حَبّبَ إلَيهِ، قَال تَعالى: حَبَّبَ إلَيْكُم الإيمانَ وَزيَّنَه فِي قُلوبِكُم وَكَرّه إلَيْكُم الكُفْرَ والفُسوقَ والعِصْيَان (7 - الحجرات) ، أَي: وبَغَّضَ إلَيْكُم الكٌفْرَ والفُسوقَ وهي الذُّنوبَ الكِبَار والعِصْيان وَجَميعَ المَعاصِي، وَهَذا تَدريجٌ لِكمالِ النِّعْمَةِ. والمَكْروه مَا لا تَرْضَاه الفِطْرَةُ السَّليمَة كَقَولِه تَعالى: كل ذلك كان سيَّئه عِنْدَ رَبِّكَ مَكْروهًا (38 - الاسراء) ، أَي: لا يَرْضَاه سُبحانَه. وَأمْرٌ مَكْروه وَشَيءٌ كَرِيه: قَبيح لأَنَّه يُكْرَه. قَال تَعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخيهٍ مَيْتًَا فَكَرِهْتُموه (12 - الحجرات) ، أَي: فَكَما تَكْرَهونَ أَكْلَ لَحْمِ إنْسانٍ مَيْتٍ فَاكْرَهوا الغَيْبَةَ وَهِيَ أنْ تَذْكُرَ أخَاكَ بِما يَكْرَه. والكَرِيهَةُ: النَّازِلَة وَالشِدَّة في الحَرْبِ. وفِي الحديثِ قَوْلُه صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأَ والنِّسْيَان وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَليه. وقيلَ: لا إِعْتِدَادَ فِي الآخِرَةِ بِمَا يَفْعَلُ الإنسانُ فَي الدُنْيَا مِنَ الطَاعَةِ كَرْهًَا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يَعْتَبِرُ السرائِرَ وَلا يَرْضَى إِلا الإِخْلاص، وَلِهذَا قَالَ عَليه الصلاةُ وَالسلام: الأَعْمالُ بِالنِيِّات.