على لِسانِ طَالوتَ لِقَوْمِه: إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَر فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (249 - البقرة) . وَقيلَ فِي ضِياءٍ وَسَعادَة، لأنَّ الجَنَّةَ لَيسَ فِيها لَيلٌ، إنَّمَا هُو نورٌ يَتَلأَلأُ، وَيَبْقَى لِلنهَرِ عَلى هذِه الدَّلاَلَةِ المَجَازِيَّةِ عَلى السِّعَةِ مَلحظٌ مِن خَيرٍ وَنِعْمَةٍ فِي حِسِّ العَرَبِيَّةِ لِلنَهر وَاحِدِ الأَنْهارِ مِياهُهَ عَذْبَة، وَيُضْفِي عَليه القُرآنُ مَعنَى البَرَكَةِ وَالخَيْرِ. وَيَقولُ سَبْحانَه فِي الجَنَّةِ: تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ (31 - الكهف) . وَحِين نَذْكُرُ الأَنهارَ فِي الدُنْيَا فَعَلى وَجْه المَنّ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِه، قَالَ تَعالى: وَسَخَّرَ لَكُم الأَنْهَارَ (32 - ابراهيم) ، وَقَولُه تَعالى فِي صاحِب الجَنَّتَيْنِ: وَفَجَّرْنَا خِلالَهُما نَهْرًا (33 - الكهف) ، أَو عَلى وَجْهِ المُبَاهَاة كَمَا فِي قولِه تَعالى عَلى لِسانِ فِرْعَون: وَهذِه الأَنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي (15 - الزخرف) ، وَفِيما قَالَه المُشرِكون لِلرسولِ صلى الله عليه وسلم كَشَرْطٍ لإسْلامِهِم في قوله تَعالى: أَو تَكونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخيلٍ وِعِنَبٍ فَتُفًجِّرَ الأَنَهارَ خِلالَها تَفِجِيرًا (91 - الإسراء) أمَّا قولُه تعالى: إِنَّ المُتَّقينَ في جَنَّاتٍ وَنَهَر (54 - القمر) ، فَمَعنَاه الفَيْضُ مِنَ الخَيرِ وَالبَرَكةِ والنَّعيم. وَالنَهْرُ والإنْتِهار: الزَّجْرُ بِمَغَالَظةٍ، وَنَهَرَ الرجلَ يَنْهَرُه نَهْرًَا: زَجَرَه. قَال تَعالى فِي بِرِّ الوالِدَيْنِ: وَلا تَنْهَرْهُمَا (23 - الإسراء) ، أَي: لا تَزْجُرْهُمَا عَمَّا يَتَعاطَيانِ عَلى سِبيلِ الرَدِّ والتَكْذِيب. وفِي قَولِه تَعالى: وَأَمَّا السائِلَ فَلا تَنْهَر (10 - الضحى) ، لا تَزْجُرْه وَلا تُغْلِظْ لَه فِي القَولِ وَلا تَعْبِس فِي وَجْهِهِ بَلْ أَسْعِفْهُ مَا إسْتَطَعْتَ.
النَّهْيُ خَلافُ الأَمْرِ، نَهاهُ يَنْهَاه نَهْيًَا فَانْتَهَى وَتَنَاهَى، قَالَ تَعالى: أَرَأَيْتَ الذي يَنْهى عَبْدًَا إذا صَلَّى (9 و 10 - العلق) ، نَزَلَت فِي أَبي جَهْل الذي تَوَعَّدَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلى الصَلاةِ عِنْدَ البيتِ، فَنَزَلَ قَولُه تَعالى تَهْدِيدًَا لِهذَا الكَافِر: كَلاَّ لَئِن لَم يَنْتَهِ لَنَسْفَعًَا بِالنَّاصِيَة (15 - العلق) ، أَي: لأَجُرَّنَه بِناصِيَتِه إلى النَّار. وقَولُه تَعالى في الرِّبَا: فَمَن جَاءَه مَوْعِظَةٌ مَن رَبِّه فَانْتَهَى فَلَه مَا سَلَف (275 - البقرة) ، أَى: تَوَقَّفَ وامْتَنَع عَن مُواصَلَةِ أَكْلِ الرِّبَا. وَتَناهَوْا عَن الأَمْرِ وَعَن المُنْكَرِ: نَهَى بَعضُهُم بَعْضًَا. قَال تَعالى في بَنِي إسْرائِيلَ: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنْكَرٍ فَعَلوه (79 - المائدة) ، وَقاَلَ سُبَحانَه: وَأَنْجَيْنَا الذينَ يَنْهَوْنَ عَن السَوءِ (165 - الأعراف) . وفِي حَديثِ قِيامِ الليلِ: هُوَ قُربَةٌ إلى اللهٍ وَمَنْهَاةٌ عَن الآثامِ. وَفُلانٌ يَرْكَبُ المَنَاهِي: أَي يَأْتِي مَا نُهِيَ عَنْه. قَالَ تَعالى: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرّبَّانِيُّونَ وَالأَحبارُ عَن قَولِهِم الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون (63 - المائدة) ، وَهُوَ تَوبيخٌ شَدِيدٌ لِليَهودِ وَذَمٌّ بَليغٌ لَهُم. وَقَد جَاءَ فِي القَرآنِ الكَريم تِسعُ آياتٍ فِي الأَمْرِ بِالمَعروفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَر. وَقَولُه تَعالى فِي تَحريمِ الخَمْرِ: فَهَل أَنْتُم مُنْتَهون (91 - المائدة) ، إسْتِفْهامٌ إنْكَارِي يَعْني: إنْتَهُوا، وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا يُنْهَى بِه، وَلِذا قَالَ المُسْلِمون عِندَما وَصَلَت الآيةُ إلى مَسَامِعِهم: إنْتَهَيْنَا يَا رِب. وَقولُه تَعالى: وَهُم يَنْهَوْنَ عَنه وَيَنْأوْنَ عَنه (26 - الأنعام) ، قِيلَ نَزَلَت فِي عُمُومَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكانَوا يَنْهَوْنَ الناسَ عَن قَتْلِه فِي العَلَن، وفِي السِرِّ كَانوا يَتَباعَدون عَنه وَعَن دَعْوَتِه. والإنْهاءُ: الإبْلاغُ، وَأَنْهَيْتُ إلَيْهٍ الخَبَر فَانْتَهَى، وَتَنَاهى أَي بَلَغَ، وَالنِّهَايَةُ كَالغَايَةِ حيثُ يَنْتَهِي إلَيهِ الشيءُ، قَالَ تَعالى: وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المٌنْتَهَى (42 - النجم) ، أَي: مَرْجِعُ جَميعِ الخَلائِق لِلجَزاءِ يومَ القِيامَة. وَقَولُه تَعالى: إلى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44 - النازعات) ، أَي: مَرَدُّ الساعَةِ وَمَرْجِعُها إلى اللهِ عَزَّ وَجَل، وقَولُه تَعالى: عِنْدَ سِدْرَةٍ المُنْتَهى (14 - النجم) ، أَي: يُنْتَهى وَيُبلَغ الوُصولُ إلَيْهَا وَلا تُتَجاوَزُ وَهِيَ مُفْتَعَل مِن النِهايَةِ الغَايَة. وَناقَةٌ نِهِيةٌ: تَناهَت سِمْنًَا. والنُهى: العَقْلُ، تَكونُ واحِدًَا وَجَمْعًَا. قَال تَعالى: إنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى (54 - طه) . والنُهْيَة (بالضم) : العَقْلُ، سُمِّيَت بِذلِك لأنَّها تَنْهَى عَن القَبيحِ. وفِي الحديثِ: لِيَلِيَنِي مِنْكُم أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى فِي الصَّلاةِ.