مَرَاحِل، ولِلتدرُّجِ فِي التَحريمِ حِكْمَةٌ بالِغة، فَإنَّهُم وَقَد ألِفُوا الخَمْرَ لَو مُنِعوا مِنْها دُفعةً واحِدةً لَشقَّ الأَمرُ عَلَيْهِم فَكَانَ التَدريجُ في التَّحْريمِ رِفْقٌ عَظيمٌ. وَأوَّلُ مَا نَزلَ في شَأْنِ الخَمْرَةِ: عِنْدَما سَأَلَ بعضُ الصحابَةِ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقالوا: أَفْتِنا في الخَمْرِ وَالمَيْسرِ فَإِنَّهُما مَذهَبَةٌ للعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلمال، فنَزَلَ قَولُه تَعالى: يَسأَلونَك عَن الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهما إِثمٌ كبيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثمُهُما أَكبَرُ مِنْ نَفْعِهِما (219 - البقرة) ، فَتَركَها قَوْمٌ وَشَرِبها آخَرون. ثُمَّ صَلّى أحَدُ الصَّحابَةِ المَغْرِبَ إمامًا فَلَمْ يُحْسِن القِراءَةَ لِسُكْرِه، فَنَزَلَ قَولُه تَعالى: وَلا تَقرَبوا الصَّلاةَ وَأنتُم سُكارَى حَتى تَعْلَموا مَا تَقُولون (43 - النساء) فَحُرِّمَت تَحريمًَا باتًَّا في الصَّلاةِ. ثُمَّ إجتمَعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ في دارِ عُتبانَ بن مَالِك فَلَمَّا سَكِروا إفتَخَروا وَتَنَاشَدوا أَشْعارَ الهِجاء وَتَضارَبوا، فَشَكا بَعْضُهم إِلى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسٍلَّم فَقَالَ: الّلهُمَّ بَيِّن لَنا فِي الخَمْرِ بَيانًَا شافِيًا، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعالى: إنَّما الخمرُ والمَيْسِرُ .. إِلى قَولِه تَعالى: فَهَل أَنْتُم مٌنْتَهون (90 - المائدة) ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِي اللهُ عَنْه: إِنْتِهِيْنا .. إنتهينا. وِحُرُّمَت الخَمْرُ بَهذِه الآيَةِ الكِريمَةِ تَحْرِيمًَا تامًا ومُؤَبَّدًا. وَالخَمْرُ إسْمٌ لِكُلِّ ما خَامَرَ العَقْلَ أَى خَالَطَه أَو سَتَره وَغَطّاه سَواءً اتُخِذَ مِنَ العِنبِ أَو غَيرِه، وَفي الأَحاديثِ الصَّحِيحَة: كُلُّ مُسْكرٍ خَمرْ (رواه مسلم) . وَلَعنَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الخَمرِ عَشْرًَا: عاصِرَها ومُعتَصِرَها وشارِبَها وساقِيَها وحامِلِها وَالمَحْمولَة إليهِ وبَائِعَها وَالمُبتَاعَةَ إليهِ وَوَاهِبَها وآكلَ ثَمَنِها. وَالخَمْرُ يُذَكَّر وَيُؤَنّث. وَالسَّكَر كالسُّكْر، مَصْدَرٌ سُمِىَّ بهِ الخَمْرُ. قَالَ تَعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخيلِ وَالأَعْنابِ تَتَّخِذونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزقًَا حَسَنا (67 - النحل) ، فِي هذِه الآيةِ إشارةٌ إلى عدَم حُسنِ الخَمْرِ (السَّكَر) لِمُقَابَلَتِها بِالرِّزقِ الحَسَن. أَمَّا الخَمْرُ في الآخِرة فَإنَّها تَختَلِف كُليًِّا عَنْ خَمْرِ الدُّنيا وَقَد ذَكَرها تَعالى كَنِعمَةٍ مِن نِعَمِ الجنة. قَالَ سُبْحَانَه: وَأَنْهارٌ مِنْ خَمرٍ لَذةٍ لِلشارِبين (15 - محمد) ، قَيَّد اللهُ تَعالى خَمرَ الجنةِ بقولِه: لَذَّةٍ للشَّارِبين لأنَّ الخَمرَ كَرِيهُ الطَّعمِ في الدُّنْيَا لا يَلْتَذُّ بِها إلاَّ سَقيمُ الذوقِ فاسِدُ المَزاجِ. وَأُشير إلى الخَمر في القُرآنِ الكَريمِ بِكَلِمَةِ (مَعين) وَهِيَ أَيْضًَا شَرَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ. قَالَ تَعالى: يُطافُ عَليهِم بِكأسٍ مِنْ مَعين بَيْضَاءَ لَذةٍ لِلشارِبين لا فيها غَوْلٌ ولا هُم عنها يُنزِفون (47 - الصافات) . قَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَن شَرِب الخمرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْها في الآخرة. وَجَمْعُ السَّكران: سُكارَى، قَال تَعالى: وَتَرى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُم بِسُكارَى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَديدٌ (2 - الحج) . وَفي قَولِه تَعالى: إِنّي أَراني أعْصِرُ خَمْرًا (36 - يوسف) ، الخَمرُ هنا العِنَب وسَمّاها بإسمِ ما في الإمْكَانِ أنْ تَؤول إليه وقيل أعصِرُ خَمْرًا، أَي: أستخرجُ خَمرًا. وَالخِمار: الدَّاءُ العارِضُ مِنَ الخَمْر، وجُعل بِناؤُه بِنَاءَ الأَدْواءِ كَالزُّكامِ وَالسُّعال. وَإختَمَرت المَرْأةُ: لَبِسَت الخِمارَ. قَالَ تَعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيوبِهِنَّ (31 - النور) ، جَمعُ خِمارٍ وَهُوَ مَا تُغطِّي بِهِ المِرْأةُ رَأَسَها وَتُسَمَّى المِقْنعَة، وَأَصْلُه مِن الخَمرْ وهو السَّتْر. وخَامَر الرَّجُلُ بَيْتَه وخَمَّره: لَزِقَه فَلَم يَبْرَحه، وَكَذلِكَ خَامَر المَكانَ. وَفِي الحَديثِ: لا تَجِدُ المؤمِنَ إلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاث: في مسجدٍ يَعْمُرُه أَوْ بَيْتٍ يَخْمُرُه أَوٍ مَعِيشَةٍ يُدَّبِّرها: ورُوِىَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَال: خَمِّروا آنِيَتِكُم، التَّخْميرُ: التَّغْطِيَة. وَفي الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَسْجُدُ على الخُمْرَة، وَهُوَ حَصيرٌ صَغيرٌ قَدْر ما يُسْجَدُ عليه يُنسجُ مِنَ السَّعف. وَاسْتخْمرَ الرجلَ: استعبَدَه، وَأَخمَرَ الشيءَ: أَغْفَلَهُ.
أَصْلُ الخُمْسِ في العَدَدِ، قَالَ تَعالى: وَيَقولون خَمْسَةٌ سادِسُهُم كَلبُهُم (22 - الكهف) ، وَقَوْلُهُ تَعالى في نوحٍ عليه السلام: فَلَبِثَ فيهِم ألفَ سَنَةٍ إلا خَمسينَ عامًَا (14 - العنكبوت) ، وَذَكَرت الآيَةُ (سنة) إشارَةً إلى مُعاناةِ نُوحٍ عًليه السلام مِن قَوْمِه، وَهِي كَسِنِيِّ يُوسف عَليه السلام السَّبْعُ التي عَانى فِيها النَّاسُ مِنَ الشِدِّةِ وَالقَحْطِ، ثُمَّ ذَكَرَت الآيَةُ (عَامًَا) إشارَةً إلى المُدَّةِ التي عِاشِاها نوح عَليه السلام بَعْدَ الطوفانِ مَع مَنْ آمَنَ مَعَه، وَهِي كَالعامِ الذي تَلا سَنَواتِ القَحْطِ حَيثُ قَال تَعالى: فيه يُغاثُ النَّاسُ وَفيه يَعْصِرون (49 - يوسف) .