هذِه إلى المَدينةِ (19 - الكهف) ، أي: أَرْسِلوا أحدَكُم بِورِقِكُم إلى المدينةِ التي خَرجوا منها وكانت دراهِمَ استَصْحَبُوها مَعَهُم مِن منازِلِهم لِحَاجتِهِم. والبَعثُ: إرسالُ الرُّسُل، قال تعالى: ولَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أنِ أُعبُدوا اللهَ (36 - النحل) ، فَلَم يَزل اللهُ سُبحانه يُرسِل الرُّسلَ إِلى الناسِ لِتوحيدِه وعِبادَتِه مُنذُ حدثَ الشركُ في بني آدم في قومِ نوحِ عليه السلام إلى أَن خَتَمَهُم بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وأُشِيرَ في القرآنِ الكريم إلى تكليف المُلوك والحكام، قالَ تَعالى فيما طَلَبه بَنو إسرائيلَ: إذْ قالوا لِنَبِيٍّ لهُم إبعثْ لنا مَلِكًا نُقاتِل في سبيلِ الله (246 - البقرة) ، فَقَد كانَ قِوامُهُم الإجتماعَ على الملوكِ وطاعةَ الملوكِ أَنبياءَهُم. والبَعْثُ: إثارةُ بَارِكٍ أو قاعِد، تقولٌ بَعثْتُ البعيرَ فانْبَعث: أثَرتُه فثار. وقوله تعالى: ولكِن كَرِه الله إنْبِعاثَهُم (26 - التوبة) ، أي: تَوَجُّهَهُم ومضِيَّهُم. والبَعثُ: بعث الجُندِ إلى الغَزْوِ، والبعوث: الجيوش، قال تعالى: بَعَثنا عليكم عِبادًا لنا أُولي بَأسٍ شَديد (5 - الإسراء) . وَبَعَثَهُ على الشيء: حَمَله على فِعله، قال تعالى: إذ إنْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12 - الشمس) ، أَي: ثَارَ وأَسْرَعَ رَجُلٌ مَنيعٌ في قومِه. وَبَعَثه مِن نَومِهِ فَانْبَعث: أَيْقظه، والنومُ مِن جِنسِ الموتِ فَجَعَل التَّوفِّي فِيهِما، والبعثَ مِنهما سَواء، قال تعالى: وهو الذي يَتَوَفَّاكُم بِالليلِ ويِعلمُ ما جَرَحْتُم بِالنَّهارِ ثم يَبْعَثُكُم فيه (60 - الأنعام) ، أَي: بُثيرُكُم ويُوقِظُكُم في النَّهارِ من منامِكُم. ومِنْ أسماءِ اللهِ تِعالى: الباعِث، هو الذي يبعث الخَلْقَ، أي: يُحيهِم بعدَ الموتِ يومَ الِقيامة. وقول المسيح عليه السلام: ويوم أُبعَثُ حيًَّا (33 - مريم) أي: يومَ القِيامة فلا ينالني الفَزَعُ الأكبر. ويومُ بُعاث يومٌ مَعروفٌ كان فيه حَربٌ بينَ الأوسِ والخَزْرَج في الجاهِلِيَّة.
بَعثروا مَتاعَهُم وبَحثَرُوه إذا قَلَبُوه وفَرَّقوه وبَدَّدوه وقَلَبوا بَعضَهُ فوقَ بعض، ويقال: بعثرتُ الشيء وَبَحْثَرْتُه إذا إسْتَخْرَجتُه وكَشَفْتُه. قال تعالى: وإذا القُبُور بُعثِرَت (4 - الإنفطار) قال الفَرَّاء: خَرَجَ ما في بَطْنِها مِنَ المعادِن والصُخور وهي مشاهد مُرعِبة ويَخْرُجُ الموتى بعد ذلك بِأمْرِ رَبِّهِم، قيل: وهو مِن أشراطِ الساعةِ أَنْ تُخرِجَ الأرضُ أَفلاذَ أكبادِها. وقوله تعالى: أَفَلا يَعلَمُ إذا بُعثِرَ ما في القُبورِ (9 - العاديات) ، فيه تَهديدٌ ووعيد. وفي حديث أبي هُريره: إنِّي إذا لَمْ أَرَكَ تَبَعْثَرَت نَفسي، أي: جَاشَت وانْقَلَبَت. وقيل إن (بَعْثَر) مُرَكَّبٌ مِن: بَعَثَ وأُثيرَ، وهذا لا يبعد في هذا الحرف، فإن البَعثَرة تَتَضمَّن معنى: بُعث وأُثير.
البُعد نقيض القُرب، وقد بَعُد -بالضم- بُعدًا فهو بعيد أي متباعد، وأَبعده غيرُه وباعَدَه وبَعّده تبعيدا. قال تعالى: إنَّهم يَرَونَه بعيدًا ونراه قريبًا (6 و 7 - المعارج) ، أي: يَرَوْنه بَعيدًا مِنَ الوُقوع ونَراه كائِنًا لا مَحالة، وقيل بعيدا: مُسْتَحيلًا، أَي يومَ القِيامَةِ. وجاءَ البَعيدُ نَقيضًا لِلقَريبِ في لَعنةِ الطَّرد كما في قوله تعالى: وقيل بُعْدًا لِلقَوْمِ الظَّالِمِين (14 - هود) ، وِيِأْتي البُعْدُ بِمختَلَفِ صِيَغِه في القرآنِ الكريم على الحقيقةِ في البُعْدِ المَكاني كَقولِه تعالى: وأنَّى لهُم التَّنَاوُشُ من مكانٍ بعيد (52 - سبأ) ، وفي البعد الزماني كقوله تعالى: وإنْ أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما توعَدون (109 - الأنبياء) ، كما تأتي على المَجازِ أَو في المعنويات: في شِقاقِ بعيد وضَلالٍ بعيد، وقيلَ في قولِه تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْن مِن مَكانٍ بعيد (44 - فصلت) ، أي: بعيدٍ في قُلوبٍهم، يَبعد عنها ما يُتلَى عليهِم لأنَّهم إذا لم يَعوا، فهُم في غايَةِ البُعد. وبعضُ العَربِ تقولُ في المكانِ بَعُدَ -بالضم- كقوله تعالى: ولكن بَعُدَت عليهم الشُقَّةُ (42 - التوبة) ، أي: السفرُ البعيد، وفي الهلاكِ بَعِدَ -بالكسر- ويَذهَبُ إلى أنَّ استِعمالَ المَضمومِ في الهَلاكِ مَجازٌ ومِثلُه قولُه تعالى: أَلا بُعدًا لِمَدْيَنَ كما بَعِدَت ثَمود (95 - هود) ،