فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 831

صَنَعوا إِنَّما صَنعُوا كَيدُ ساحِرٍ وَلا يُفلِحُ الساحِرُ حيثُ أتى فأُلقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًَا قالوا آمنَّا بِرَبِ هارونَ وَموسى (69 و 70 - طه) . وطَاَلما أَتَّهَم الكافِرونَ رُسُلَ الله عليهم السلام بِأَنَّهم سَحَرة عِنادًَا ومُكَابَرَةً كَما في قَوْلِه تَعالى: وإنْ يَرَوْا آيةً يُعرِضوا ويَقُولوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2 - القمر) . وَقولُه تَعالى: إنْ تَتَّبِعونَ إلا رجُلًا مَسْحورًَا (8 - الفرقان) ، فيها قَوْلان: أَحدُهُما أَنَّه ذو سِحرٍ مِثلُنا، والثاني أنَّه سُحِرَ وأزيلَ عَنْ حدِّ الإستواءِ أي المَخدوعُ ومَن تَأَثَّر بعمل السحر. وَقولُه تَعالى: يا أَيُّها السَّاحِر أُدعُ لنا ربَّك بما عَهِدَ عندكَ إِنَّنا لَمُهتَدون (49 - الزخرف) ، يقولُ القائِل كيف قالوا لموسى: يا أَيُّها الساحِرُ، وَهُم يَزعُمونُ أنَّهم مُهتدون؟ وَالجوابُ في ذلِكَ أَنَّ الساحِرَ عندَهُم كان نَعتًَا مَحمودًَا والسِّحرُ كان عِلمًَا مَرْغوبًا فيه، فَقالوا: يا أَيُّها الساحِرُ على جِهةِ التعظيمِ لَهُ، وَخاطَبوه بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ عِندَهُم مِنَ التَسمِيةِ بالسَّاحِرِ إِذْ جاءِ بِالمُعجِزاتِ التي لم يَعْهَدُوا مِثلَها. ولَم يَكُن السِّحرُ عِندَهم كُفرًَا ولا مِمَّا يَتَعايَرون به، ولِذلِكَ قالوا يا أَيُّها الساحِرُ. وَالسَّاحِر: العالِم، وَمِنْ أَنواعِ السحرِ إستِجلابُ مُعاوًنَةِ الشيطانِ بِضربٍ من الَتَقرُّبِ إلَيه كَقَولِه تَعالى: وَلكِنَّ الشياطين كَفروا يُعَلِّمُونَ الناسَ السِّحرَ (102 - البقرة) ، والنوعُ الثاني: أَنَّ النفوسَ الساحِرَةَ تُؤَثِّر بِالِهِمَّةِ وَالتَوَجُّه في الأَشْياء ِفَيَزعُمون أَنَّه مِن قُوَّتِهِ يُغَيِّر الصورَ والطَّبائِع، قال تعالى: بل نَحنُ قومٌ مَسحورون (15 - الحجر) ، أَي: مَصْروفُون عَن مَعرِفَتِنا (بِالسِّحْرِ) ، وَهناكَ نَوْعٌ ثاَلث: وَهو تأثيرُ النُّفوسِ في القُوى المُتَخَيِّلةِ بِإلقاءِ أَنْواعٍ مِنَ الخَيالاتِ والمُحاكَاةِ والصُّورِ فيها حتى تُرَى كَأنَّها واقِعِيَّةٌ وليَست إِلا خَيَالًا، وهو المُسَمَّى بِالشَّعْوَذَة، كَما في قَولِه تَعالى: سَحَروا َأَعْيُنَ الناسِ واستَرْهَبُوهُم (116 - الأعراف) . وَهذِه العلومُ كانَت شَائِعةً في أَهْلِ بابِل مِنَ السِريانِييِّن وَالكِلْدانيين وَفي أَهْلِ مِصرَ مِنَ الِقبطِ وَغَيْرِهمِ قَبْل بِعثَةِ موسى عليه السلام، وَلِهذا كانَت مُعجِزَتُه مِنْ جِنسِ مَا يَدَّعونَه. والشريعةُ لم تُفَرِّق بَيْنَ السِّحرِ والطَّلسَماتِ وحُرمَتِها جَميعها لِمَا فيها مِن الضَرَر. والسَّحَر: إختِلاطُ ظَلامِ آخرِ الليلِ بِضياءِ النَّهارِ وجُعِل إسْماَ لِذلِك الوقْتِ. والسَحَر آخرُ الَّليْلِ قُبَيلَ الصُّبحِ، وَالإِسْتِغفارُ فيه أَقربُ إِلى الإِجابَةَ، والجمعُ أَسحار، وأَسحَرَ القومُ صاروا في السَحَر، وقَد غَلبَ عَليهِ التَعرِيفَ بِغَيْرِ إِضَافةٍ وَلا أَلِف وَلا لام، وإذا أَنْكَرْتَ (سَحر) صَرَفتَه، قَال تَعالى: إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيناهُم بِسَحَرٍ (34 - القمر) ، وَقْتَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّن. وَفي فَضْلِ الإِستغفارِ بِالسَّحَر يقول سُبحانَه: وبِالأَسْحارِ هُم يَستَغفِرون (18 - الذاريات) ، وقولُه تعالى: وَالمُسْتَغفِرون بِالأَسْحارِ (17 - آل عمران) . وَالسُّحُور: طَعامُ السَّحَرِ وَشَرِابُه، ما يُتَسَحَّرُ بِهِ وَقْتَ السُّحورِ.

السَّحْق: تَفْتيتُ الشيءِ، ويُستَعملُ في الدواءِ إذا فُتِّت، والسَّحْق: الثوبُ البالي، ومنه قيل: أَسحقَ الضَّرْع، أَي صارَ سَحقًَا لِذهابِ لَبَنِه. سَحَقَ الشيءَ يسحقُه سَحْقًَا: دَقَّه أَشدَّ الدقِ، وَقيلَ هو الدُقُّ بَعْدَ الدَّقِ. وسَحَقَت الريحُ الأرضَ إِذا قَشَرَت وَجْهَ الأَرْضِ بِشدَّةِ هُبُوبِها، ومٍنه قيلَ للثوبِ البالي. والسُحقُ: البُعْدُ، وَخَصَّ القرآنُ السُحقَ في نذيرِ الكُفَّارِ وَالمٍشْركين، على حين إستعمَلَ البُعدَ بِدَلالَةٍ أَعَم، فَمِنْه البُعْدُ المَكاني وَالزَّماني والمَجازي. قال تعالى: فاعْتَرَفوا بِذَنبِهِم فَسُحقًَا لأَصحابِ السَّعيرِ (11 - الملك) ، أَي: بُعدًا لهُم من رَحْمَةِ الله وهو دُعاءٌ عَلَيْهِم، وَهُوَ مَصدرٌ نَائِبٌ عَن فِعْلِه في الدُّعاءِ، أَي: سَحَقَهُم الله سَحقَا. ً وَقَوْلُه تَعالى: أَو تَهوِي بِهِ الريحُ في مَكانٍ سَحيقٍ (31 - الحج) ، أَي: بَعيد. والبُعد هو نقيضُ القُربِ حِسِّيًا ومَعنَويًا. أَما السَّحق ففيه مَلْحَظُ إِنْسِحاقٍ وَتَفَتُّت، وَيُقال: أَبْعَدَه الله وَأَسْحَقَه، أَي: جَعَلَهُ سَحيقًَا، وَهُوَ أَشَدُّ وَقْعًَا مِن كَلِمَةِ بعيد يَتَناسَبُ مَعَ مَنْ يُشرِك بِالله عَزَّ وَجَل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت