دُعائِه لِلنابِغَة: لا يُفْضِي اللهُ فَاكَ، مَعْناه ألا يَجْعَلَه فَضاءً لا سِنَّ فِيه. ويُقال: أَفْضَيْتُ إذَا خَرَجْتَ إلى الفَضاءِ. وَأَفْضَيْتُ إلى فُلان بِسرِّى. ويُقالُ: الناسُ فَوْضَى إذا كَانوا بِلا أَميرٍ عَلَيْهِم وَلا مَنْ يَجْمَعُهُم. وَأَفْضَى إذا إفْتَقَرَ.
فَطَرَ الشيءَ يفْطِرُه فَطْرًَا فَانْفَطَر، وَفَطَرَه: شَقَّه، وَتَفَطَّرَ الشيءُ: تَشَقَّق، وأَصْلُ الفَطْرِ الشَقُّ طُولًا وَجَمْعُه: فَطَور، قَالَ تَعالى فِي خَلْقِ السماواتِ السَّبْعِ: هَل تَرى مِن فُطُور (3 - الملك) ، أَي: هَلْ تَرى عَيْبًَا أَو نَقْصًَا أَو خَلَلًا أَو خُرُوقًَا. وَالفُطُور: خَلَلٌ مَنْظُور فيهِ إلى أَصْلِ المَعنى في التَصَدُّعِ، وَانْفَطَرَ إنْفِطَارًا، كَما فِي قولِه تَعالى في أَهْوالِ يَومِ القِيامَةِ: إذا السماءُ إنْفَطَرَت (1 - الانفطار) ، أَي: انْشَقَّت، كَما فِي قولِه تَعالى: السماءُ مُنْفَطِرٌ بَه (18 - المزمل) ، تَنْشَقُّ السماءُ مَع عِظَمِها لِشِدَّةِ الهَوْلِ يومَ القِيامَةِ، وجعل السماء مُذكّرًا في هذِه الآيَةِ لِتَأويِلِها بِالسَقْفِ. وَتَفْسيرُ (منفطر) بِتَصَدُّعٍ مِن خَوفٍ يومَ القِيامَةِ هُو مِن الشَّرْحٍ لِلمَفْهومِ مِن سياقِ الآيَةِ مِنْ (فطور) : إخْتِلال وذلِكَ عَلى سبيلِ الفَسادِ وَمِنْهُ يَكونُ عَلى سبيلِ الصَلاحِ. وفي قَولِه تَعالى: تَكادُ السماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنه وَتَنْشَقُّ الأَرضُ وَتَخِر الجِبالُ هَدًَّا (90 - مريم) ، وإسْنادُ الفَطْرِ والإنْفِطَارِ إلى السماءِ والأَرضِ هُو مِنَ الإسْنادٍ المِجازِي مَع طَواعِيَةٍ تِلقَائِيَة لا يُحتَاجُ فِيها إلى فَاعِلٍ لِشِدَّةِ الحَدَثِ وهَوْلِ المَوْقِف. وَبِمُراجَعةِ المادَّةِ في اللغةِ يَبدو أَنَّ العَربِيَّة إسْتَعْمَلَت الفَطْرَ في إنْشِقَاقِ الجِلْدِ عَن نَابِ البَعير، والعِنَب إذا بَدَت رُؤوسُه، وَتَفَطَّرَت الأرضُ بِالنَّبَاتِ إذا تَصَدَّعَت. وَلَعَلَّ تَخصيصَ الإفِطارِ بِأَكْلَةِ الصباحِ مَلحوظٌ فيِه أَنَّه يَكْسِرُ جَوعَ الليلِ الطَويلِ، وَنُقِلَ الى الدَلالَةِ الإسلامِيَّةِ فِي إفْطارِ الصائِم وَزَكاةِ الفِطْر. وفي الحديثِ: قَامَ رسولُ اللهِ صلى الله عَليه وَسَلَّم حَتى تَفَطَّرَت قَدَماه، أَي: تَشَقَّقَتا. وَفَطَرَ اللهُ الخَلْقَ يِفَطِرُهُم: خَلَقَهُم وَبَدأَهُم، وهُوَ إيجَادُه الشيءَ وإبْداعُه عَلى هَيئَةٍ مُترَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، فَقَولُه تَعالى: فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عَليْهَا (30 - الروم) ، فَإشارَةً مِنه تَعالى إلى مَا فَطَر، أَي: أَبْدَعَ وَرَكَزَ فِي الناسِ مِنْ مَعْرِفَتِه تَعالى، وَفِطْرَةُ اللهِ: هي مَا رَكَزَ فيه مِنْ قُوَّتِه عَلى مَعْرِفَةِ الإيمان، وَهُوَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَولِه تَعالى: وَلئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلقَهُم لَيقُولُنَّ الله (87 - الزخرف) ، وَقَال تَعالى: الحَمْدُ لِله فَاطِرِ السماواتِ والأَرضِ (1 - فاطر) ، أَبْدَعَ وَأَوْجَدَ وَأَفَاضَه عَلَيْنَا مِنَّهً، والمُرادُ بِهِمَا العَالَمُ بِأَسْرِه، مُبدِعُ السماواتِ والأَرضِ، وقيلَ: كُلُّ شيءٍ فِي القَرآنِ (فاطر السماوات والأرض) فَهو: خَالِقُ السماواتِ والأَرضِ، قَال تَعالى: فَسَيَقُولونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُل الذي فَطَرَكُمَ أَوَّلَ مَرَّةِ (51 - الاسراء) ، والفِطْرَة: الإبْتِداء والإخْتِراع. والفِطْرَة: الخِلْقَة، والفِطرة: مَا فَطَر اللهُ عَليه الخَلْقَ مِنْ المَعْرِفَة. قَالَ تَعالى: فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عَليهَا (30 - الروم) ، أَي: إلْزَمُوا فِطْرَةَ اللهِ بِالجَري عَلى مَوْجِبِها وَعَدمِ الإخْلالِ بِهَا بِاتِّبَاعِ الهَوَى وَوَسَاوِسِ الشَيطانِ. والفِطْرَة: قَابِلِيَّةُ الدينِ والحَقِّ والتَهَيُّؤ لإدْرَاكِه أَو هِيَ دِينُ الإسلامِ والتَوْحيدِ، وقولُه تَعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله: لِتِلْكَ الخِلْقَةِ التي خَلَقَهُم عَليهَا إمَّا لِجَنَّةٍ أَو لِنَار حِينَ أَخْرَجَهُم مِن صُلبِ آدَمَ، كُلُّ ذُرِّيَةِ هُو خَالِقُها إلى يومِ القِيامَة، وفِي حَديثٍ عَن ابنِ عباس: مَا كُنْتُ أدْري مَا فَاطِر السماواتِ والأَرضِ حَتى إحْتَكَم إليَّ أَعرابَيّان فَي بَئرٍ فَقالَ أَحدُهُما: أَنا فَطَرْتُها، أَي: إبْتَدَأتُ حَفْرَها. جَاءَ الِفعلُ الثَلاثِي مَاضِيًا ثَمانَي مَرَّاتٍ، الإسنادُ فَيها جَميعًا لَله سُبحانه الذي (فَطَرَ) السماواتِ والأَرضِ وَفَطَرَني وَفَطَرَنا وَفَطَرَكُم أَوَّلَ مَرَّة، كَمَا جاءِ إسْمُ فَاعِل سِتُ مَرات، للهِ تَعالى (فاطر) . وقيلَ فُطِر كُلُّ إنسانٍ عَلى مَعْرِفَتِه بِأَنَّ اللهَ رَبُّ كُلِّ شيءِ وخَالِقِه، وقيلَ مَعناه أَنَّ اللهَ فَطَر الخَلْقَ عَلى الإيمانِ لِقولِه تَعالى: وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدمَ مِنْ ظُهُورِهِم وأَشْهَدَهُم عَلى أَنْفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالوا بَلى شَهِدْنَا (172 - الأعراف) . وَكُلُّ مَولودٍ هُو مِن تِلكَ الذُرِّيَة، قَالَ رسولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليه وَسلم: مَا مِنْ مَولودٍ إِلا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهّوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أَو يُمَجِّسَانِه، فَكُلُّ مَولودٍ يُولَدُ عَلى مَعْرِفَةِ اللهِ تَعالى والإقْرارِ بِه، فَلا تَجِدُ أَحَدًا إلا وَهو