فهرس الكتاب

الصفحة 760 من 831

بَرْدٌ شَديدٌ وَبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شديدٌ لأَنَّكَ أَنْتَ وَراءَهُ فَجَازَ، لأَنَّه شَيءٌ يَأْتي، فَكَأَنَّه إِذا لَحِقَكَ صارَ مِنْ وَرَائِكَ وَكَأَنَّهُ إِذا بَلَغْتَهُ كانَ بَيْنَ يَديك فلذلك جاز الوجهان، من ذلك قَولَه تَعالى: وَيَذَرونَ وَرَاءِهُم يَوْمًَا ثَقِيلًا (27 - الإنسان) ، انْشَغَلوا بِحُبِّ الدُّنْيا وَتَركوا يَوْمَ القِيامَةِ الذي يَنْتَظِرُهُم وَوُصِفَ بِالثِّقَلِ لِشِدَّةِ أَهْوالِه، وَقَوْلُه تَعالى: مِنْ ورائِه جَهَنَّم وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَديدٍ (16 - إبراهيم) ، أَي: مِنْ بَعْدِه، بِمَعْنَى ما يَنْتَظِرُه بَعْدَ هَلاكِه، أَي: أَنَّ أَمَامَهُ جَهَنَّم، وَبِنَفْسِ المَعْنى في الآيَةِ التي تَلِيها بِقَوْلِه تَعالى: وَمِن وَرائِه عَذَابٌ غَلِيظٌ (17 - إبراهيم) . وَفِي قَوْلِه تَعالى: فَمَن ابْتَغَى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُم العَادون (7 - المؤمنون) ، أَي: مَن تَجاوزَ مَا أَبَاحَهُ اللهُ سُبْحانَه الى ماحَرَّمه. أَمَّا في قَولِه تَعالى: وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرائِي (5 - مريم) ، أَي: مِنْ بَعْدِي، وَالمَعْنَى: خَشيتُ أَنْ يَتَصَرَّفوا مِن بَعْدِي في النَّاس تَصَرُّفًَا سَيِّئَاَ. وَالوَرَاءُ: وَلَدُ الوَلَدِ. قَال تَعالى: فَبَشَّرناهُ بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إسحاقَ يَعْقوب (71 - هود) . وَقَوْلُه تَعالى: واتَّخَذْتُمُوه وُراءُكُم ظِهْرِيًَّا (92 - هود) ، أَي: نَبَذْتُم كِتابَ اللهِ خَلْفَكُم فَلا تُعَظِّمونَه وَلا تَعْمَلونَ بِمَا جاءَ فِيه. وَفي قَولِه تَعالى لِلمُنافِقِين يَومَ القِيامَةِ: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُم فَالْتَمِسوا نُورًَا (13 - الحديد) ، يَطْلُبُ المُنافِقُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْتَظِروهُم لِيَقْتَبِسوا مِن نُورِهِم فَيُقالُ لَهُم ارْجِعُوا مَن حَيْثُ جِئْتُم وَاطْلُبُوا هُناكَ لأَنْفُسِكُم نُورًَا. وَقولُه تَعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرَه (10 - الإنشقاق) ، تَجْعَلُ يَدَهُ الشِّمال وَراءَ ظَهْرِه ثُمَّ يُعْطَى لَه كِتابَه بِشِمالِه وَذلِكَ إِشْعارٌ بِأَنَّه مِن أَصِحابِ السَّعيرِ بِقولِه تَعالى: وَيَصْلَى سَعيرًا (12 - الإنشقاق) . وَأَوْرَأْتُه إِذا أَعْلَمْتُه، وَأَصْلُه مِنْ وَرَى الزِنْدَ إِذا ظَهَرَت نَارُه.

الوَارِثُ مِنْ صِفاتِ اللهِ عَزَّ وَجَل َّ, وَهُوَ البَاقِي الدَّائِمُ الذي يرِثُ الخَلائِقَ وَيَبْقَى بَعْدَ فَنائِهِم، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَرِثُ الأرضَ ومَن عَلَيْهَا وَهُوَ خَيرُ الوَارِثِين فَيَرْجِعُ مَا كانَ مُلْكًا لِلعبادِ إليهِ وَحْدَه لا شَريكَ لَه. يَقولُ تَعالى: فَتِلْكَ مَساكِنِهُم لَم تُسكَنْ مِنْ بَعدِهِم وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِين (58 - القصص) ، وَقَولُه تَعالى: وَلِله مِيراثُ السماواتِ وَالأرضِ (180 - ال عمران) ، وَيُقال: وَرِثْتُ فُلانًَا مَالًا أَرِثُه وِرْثًَا إذا ماتَ فَوَرَّثكَ فَصارَ مِيراثُهُ لَكَ. وَالوِراثَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ يَحْصُلَ للإنْسانِ شَيءٌ لا يَكونُ عَليه فِيهِ تَبِعَة، وَلا عَلَيهِ مُحَاسَبَة، وَعِبادُ اللهِ الصَّاِلحُونَ لا يَتَنَاوَلُون شَيْئًَا مِنَ الدُّنْيِا إلاَّ بِقَدَرِ مَا يِجْب، وفِي وَقْتِ مَا يَجِب، وَعَلى الوَجْهِ الذي يَجِب، وَمَن تَناوَلَ الدُنْيَا عَلى هذا الوَجْهِ لا يُحاسَبُ عَليها وَلا يُعَاقَبُ بَلْ يَكونُ ذلِكَ لَه عَفْوًَا صَفْوًَا، فَمَن حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدَنْيَا لا يُحاسِبُه اللهُ فِي الآخِرَة. وَقَوْلُه تَعالى في زَكَرِيَّا عَليهِ السلام: فَهَب لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًَّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ (5 و 6 - مريم) ، يَعْنِي وِراثَةَ النُبُوَّةِ وَالعِلْمِ وَالفَضِيلةِ دُونَ المَالِ، فَالمَالُ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَ الأَنْبِياءِ حَتى يَتَنَافَسُوا فِيه، بَلْ قَلَّمَا يَقْتَنُونَ المَالَ وَيَمْلِكُونَه، أَلا تَرى أَنَّه قَال عَليه الصلاة والسلام: إنَّا مَعَاشِرَ الأَنبياءِ لا نُورَث، مَا تَرَكْنَاه صَدَقَة، وَقِيلَ: العِلْمُ وَهُوَ صَدَقَةٌ تَشْتَرِكُ فِيهَا الأُمَّة. وَمَا رُوِيَ عَنه صلى الله عليه وسلم: العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ لِعَلِيِّ رَضِيَ الله عنه: أَنْتَ أَخِي وَوَارِثِي، قَالَ: وَمَا أَرْثكَ؟ قَالَ: مَا وَرِثَت الأَنْبِيَاءُ قَبْلِي، كِتابَ اللهِ وَسُنَّتِي. لَمْ يَكُنْ خَائِفًَا أَنْ يَرِثَه أَقْرِبَاؤُه المَالَ وَإنَّمَا هُوَ العِلْمُ وَالنُبُوَّة لِقَوْلِ النَبْيَ صلى الله عليه وسلم: إنَّا مَعَاشِرَ الأَنبياءِ لا نُورِّثُ مَا تَرَكْنَا فَهو صَدَقَة. قَالَ تَعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتابَ الذينَ اصْطَفَيْنَا (32 - فاطر) ، أَي: جَعَلْنَا القَرآنَ الكَرِيمَ الذي أَوْحَيْنَا إليكَ مِيراثًَا لَكَ وَلأُمَّتِكَ. وَقَولُه عَزَّ وَجَل: وَوَرِثَ سُليمانُ دَاودَ (16 - النمل) ، وَرَّثَه مُلْكَه وَنَبَوَّتَه. وَنَقول: أَوْرَثَه أَبوه، وَهُم وَرَثَةُ فَلان. وَقَد بَيَّنَ القَرآنُ الكَريمُ كَيْفِيَّةَ تَوزيِعِ المِيراثِ عَلى الوَرَثَةِ فِي سُورَةِ النَّسَاءِ فِي الآيات 10 و 11 و 176، وَمِنَ النُّصُوصِ التي وَرَدَت: وَوَرِثَه أَبَوَاه، وإنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً، وَهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُن لَها وَلَد، وَغَيْرِهَا مِن الآياتِ. وَوَرَّثَه تَوْرِيثًَا: أَدْخَلَه عَلى وَرَثَتِه. وَالمِيراثُ أَصلُه مِوْرَاث، إنْقَلَبَت الواوُ يَاءًَا لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَها. والإرْثُ وَالمِيراثُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت