عَنْ تَعَمُّدٍ. وَمَا عُذِرَ فِيه نَحْوَ مَا رُوِيَ عَن النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَان) ، فَهُوَ مَا لَم يَكُنْ سَبَبُه مِنْه. وَقَولُه تَعالى: فَذُوقُوا بِمَا نَسيتُم لِقاءَ يَومِكُم هَذا إنَّا نَسينَاكُم (14 - السجدة) ، هٌوَ مَا كانَ سَبَبُه عَنْ تَعَمُّدٍ مِنْهُم، وَتَرْكُه عَلى طَريقِ الإهَانَةِ، وَإذا نُسِبَ ذَلِكَ إلى اللهِ تعالى فَهُوَ تَرْكُه إيَّاهُم اسْتِهَانَةً بِهِم، وَمُجَازَاةً لِمَا تَرَكُوه، قَالَ تَعالى: فَاليومَ نَنْساهُم كَمَا نَسوا لِقاءَ يَومِهِم هَذا (51 - الأعراف) ، فَتَنْبِيهٌ أَنَّ الإنْسانَ بِمَعْرِفَتِه بِنَفْسِهِ يَعْرِفُ اللهَ، فَنِسْيَانُه لِله هُوَ مِنْ نِسْيانِه نَفْسَه، وَنِسيانُ اللهِ تَعالى لَهُم بِمُعَامَلَتِهِم مُعَامَلَةَ مَنْ نَسِيَهُم لأنَّه تَعالى لا يَشِذُّ عَنْ عِلْمِه شَيءٌ وِلا يَنْسَى لِقَولِه تَعالى: فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يِنْسَى (52 - طه) ، وَقَولُه تَعالى: وَكَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسيِتَهَا وَكَذلِكَ اليومَ تُنْسَى (126 - طه) ، قِيلَ نَتْرُكُهُم مِنَ الرَّحْمَةِ كَما تِرِكُوا أَنْ يَعْمَلُوا لِلقاءِ يَومِهِم هَذا. والنِّسْيانُ يُقُابِلُه التَذَكُّرُ كَمَا في قَولِه تَعالى: وَما أَنْسانيهُ إِلا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه (63 - الكهف) ، وَقَوْلُه تَعالى: وَاذْكُر رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ (24 - الكهف) ، قَالَ ابنُ عباس: إذا قُلْتَ شَيْئًَا وَلَمْ تَقُل إنْ شاءَ اللهُ فَقُلْهُ إذا تَذَكَّرْتَه، وَبِهذَا أَجازَ الإسْتِثْنَاءَ بَعدَ مُدَّةٍ، قَالَ عِكْرِمَة: مَعْنى (نَسِيتُ) : إرْتَكَبْتُ ذَنْبًَا، وَمَعناه، أُذْكُر اللهَ إذا أَرَدْتَ وَقَصَدْتَ إرْتِكَابَ ذَنْبٍ يَكُن ذَلِكَ دَافِعًَا لَكَ، فَالنَسِيُ أَصْلُه مَا يُنْسَى كَالنَّقْصِ لِمَا يُنَقص، وَصَارَ فِي التَعارُفِ إسْمًَا لِمَا يَقِلُّ الإعْتِدَادُ بِه، وَمِن هَذا تَقُولُ العَرَبُ: إحْفَظُوا أَنْساءَكُم، أَي: مَا مِنْ شَأْنِه أَنْ يُنسَى. وَقَوْلُه تَعالى: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وَكُنْتُ نَسْيًَا مَنْسِيَّا (23 - مريم) ، أَي: جَارِيًَا مَجْرَى النَسِيِّ القَليلِ الإعْتِدادِ بِه وإنْ لَمٍ يُنْسَ، وَ (منسيا) : شيئًَا لا يُعْرَف وَلا يُذكَرُ وَلا يَدْرَى مَنْ أَنَا، وَهُوَ مَصْدَر مَوْضُوعٌ مَوْضِع المَفْعُول، قَالَت مَريمُ ذلِكَ حُزْنًَا وَاستِحْيَاءً لأَنَّها حَبِلَت وَوَلَدَتْ دُونَ بَعْلٍ وَهِيَ المَعْرُوفَةُ بِطَهارَتِها وَتَفَرُّغِهَا لِلعِبادَة. وَقَوْلُه تَعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو نُنْسِهَا (106 - البقرة) فَإنْساؤُهَا حَذْفُ ذِكْرِها عَن القُلوبِ بِقُوَّةٍ إلهِيَّة. وَقَولُه تَعالى: وَمَا كانَ رَبًّكَ نَسِيًَّا (64 - مريم) ، مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّد وَإنْ تَأَخَّرَ عَنْكَ الوَحْيُ. وَقِيلَ إنَّه عَالِمُ بِجَميعِ الأَشياءِ مَتَقَدِّمِها وَمُتَأَخِّرِهَا وَلا يَنْسَى شَيئًَا مِنْهَا. وَالنَّسِيُّ: الكَثِيرُ النِّسْيَان. وفِي الحَدِيثِ: لا يَقُوُلُ أَحَدُكُم نَسيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيْتَ بَل هُوَ نُسِّيَ، كَرِهَ نِسْبَةَ النِّسْيَانِ إلى النَّفْسِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُما أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الذي أَنْسَاه إيَّاه، وَالثَّانِي أَنَّ أَصْلَ النِّسْيَانِ التَّرْكُ، فَكَرِه أَنْ يَقُولَ تَرَكْتُ القُرآنَ أَو قَصَدْتُ إلى نِسيَانِه، وَذلِكَ لأنَّه لَمْ يَكُنْ بِإخْتِيارِه. وَالنِّسَاءُ والنِّسْوانُ وَالنِّسْوَةُ جَمْعُ المَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا، قَالَ تَعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ وَلا نِساءٌ مِن نِساءٍ (11 - الحجرات) ، وَسَائِرُ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ الكَريمِ مِنْ كَلِمَةِ (النِّساءِ) فَهُوَ لِبَيانِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِن نِكاحٍ وِطَلاقٍ وَتَعَدُّدِ زَوجاتٍ وَعِدَّةٍ وِحَمْلٍ وَحَيْضٍ وَرَضَاعَةٍ وَإرْثٍ وَظَهارٍ وَإيلاءٍ وَحِجابٍ وَزِينَةٍ وَالقَواعِدِ مِنَ الِّنَساءِ وَالمُهُورِ. قَالَ تَعالى: وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ (232 - البقرة) ، وَقَولُه تَعالى: لا يَحِلُّ لَكُم أَنْ تَرِثوا النِّسَاءَ كَرْهًَا (19 - النساء) ، وَآياتٌ أُخْرى كَثِيرَة. والنَّسَا: عِرقٌ فِي الإنْسانِ يُسَبِّبُ لَهُ آلامَاَ، جَمْعُه أَنْسَاء.
أَنْشِأِ اللهُ الخَلْقَ: إبْتَدَأَ خَلْقَهُم، وَالنَّشْءُ وَالنَّشْأَة: إحْداثُ الشيءِ وَتَربِيَتُه، قَالَ تَعالى: وَلَقد عَلِمْتُم النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُون (62 - الواقعة) ، أََي: قَد عَلِمْتُم أَنَّ اللهَ سُبحانَه أَنْشَأَكُم بِعَد أَنْ لَم تَكونوا شيئًَا مَذكورًا فَخَلَقَكُم وَجَعلَ لكُم السَّمْعَ والأَبصارَ والأفْئِدَةَ فَهلاّ تَتَذَكَّرُون وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الذي قَدَرَ عَلى هذِه النَّشْأَة وَهِيَ البَداءَةُ قَادِرٌ عَلى النَّشْأَةِ الأُخْرَى وَهِي الإعَادَة بِطرِيقِ الأُولَى وَالأُخْرَى فَهُو سُبَحانَه الذي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُه. وَالنَّاشِيءُ الغُلامُ الحَسَن الشابُّ حينَ نَشَأ، أَي بَلَغَ قَامَةَ الرِّجَالِ، وَيُقال لِلشابِّ وَالشابَّةِ إذا كانوا كَذلِكَ هُم النَّشْء، قَال تَعالى: قُل هُوَ الذي أَنْشَأَكُم وَجَعَل لَكُم السَّمْعَ وَالأَبْصارَ (23 - الملك) ، وَقَالَ تَعالى: وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُم إذْ أَنْشَأَكُم مِنَ الأَرضِ (32 - النجم) ، وَقالَ تَعالى: ثُم أَنْشَأْنَاه خَلْقًَا آخَر (14 - المؤمنون) ، فَهذِه كُلُّها فِي الأيجادِ المُخْتَصِّ بِاللهِ سُبحانَه وَتَعالى.