أَذْكُرْكُم (152 - البقرة) ، وبَيْنَ قولِه تَعالى: اذْكُروا نِعْمَتِيَ (40 - البقرة) : أنَّ قَوْلَه: (أذكروني) ، مُخاطَبَةٌ لأَصْحابِ النبيِّ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الذينَ حَصَلَ لهُم فَضْلُ قوةٍ بِمَعْرِفَتِه تَعالى، فَأَمَرَهُم أَنْ يَذْكُروه بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وقولُه تَعالى: (أذْكُروا نِعْمَتِيَ) ، مُخاطَبَةً لِبني إسرائيلَ الذينَ لَمْ يَعْرِفوا اللهَ إلا بِآلآئِهِ، فَأَمِرهُم أَنْ يَتَصَوَّروا نِعْمَتَه، فَيَتوَصَّلوا بِها إلى مَعْرِفَتِه. والذِّكر: الكِتاب الذي فيه تَفْصيلُ الدِّينِ وَوَضْعِ المِلَل، وكلُ كتابٍ مِنَ الأنْبِياءِ عليهِم السلام: ذِكْر. قالَ تَعالى: إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظون (9 - الحجر) . وَالذِّكْر: الصلاةُ للهِ والدعاءُ إليه والثناءُ عليه. وفي الحَديثِ: كانَ الأنبياءُ إذا حَزَبهم أمرٌ فَزِعوا إلى الذِّكر، أَي: إلى الصلاة يَقُومُون فَيُصَلُّون. والذِّكر: قِراءَةُ القُرآن، والذكر: التَسبيح، والذكر: الدُّعاء، والذكر: الطاعةُ. وَتَكرَّرَ ذِكرُ (الذكر) في الحَدِيثِ ويُرادُ به تَمجيدُ الله وتَقديسهُ وتَسبيحهٌ والثناءُ عَليه. وَمَعنى قَولِهِ تَعالى: إنَّ الصلاة تَنهى عَن الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَر (90 - النحل) فيهِ وَجهان، أَحَدُهما: إنَّ ذكرَ الله تعالى إذا ذَكَرَهُ العبدُ خيرٌ لِلعبدِ من ذِكرِ العبدِ للعبدِ، وَالوَجْهُ الآخَر: إنَّ ذِكرَ الله يَنهى عَن الفحشاءِ والمُنكر أكثر مِما تَنهي الصلاة. وقولُه تَعالى: وَذَكِّر بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفسٌ بما كَسَبت (70 - الانعام) ، أَي: ذكِّر الناسَ بِالقُرآنِ وَحَذِّرهُم عذابَ الله، قال الفرّاء في قَولِه تَعالى: أَهذا الذي يَذكرُ آلِهَتَكُم (36 - الانبياء) : يعيب آلِهَتكُم، يُقالُ: فُلان يذكُرُ الناس، أي: يَغتابُهم ويذكُر عيوبَهم، وفُلان يَذْكُرُ اللهَ، أي: يَصِفُهُ بِالعَظَمَةِ ويُثني عليه ويُوحِّدُه، وإنما يُحذفُ معَ الذِّكرِ ما عُقِلِ معناه، وَقولُه تَعالى: ص وَالقرآنِ ذِي الذِّكْر (ص-1) ، أَي: الشَّرَف المُحْكم العاري مِنَ الإِختلاف، أَو المَذكورُ فيه ما يُحتاجُ إليه في الدينِ مِنَ الشَرائِعِ والأَحْكامِ وَغَيْرِها، وَقَولُه تَعالى في الثناء على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: وَرَفَعنا لكَ ذِكرَك (4 - الشرح) ، أَي: شَرَفَكَ، وقيل إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعي، وَقَوْلُه تَعالى: أنَّي لهُم الذِكْرى وَقَدْ جَاءَهُم رَسولٌ مُبين (13 - الدخان) ، أَي: الإتِّعاظ، وكذلِكَ العِبرَة والعِظَة في قَوْلِه تَعالى: لِنجعَلَها لكُم تَذكِرَةً وتَعِيَها أُذنٌ واعية (12 - الحاقة) . وفي قَولِه تَعالى: فكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ إسمُ الله عليه (118 - الانعام) ، تحريمٌ أكل المَيْتةِ وما ذُبِحَ على النُّصُب وغيرِها، كما جاء في قولِه تَعالى: ولا تأكُلوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر إِسمُ الله عَلَيه وإنَّه لَفِسْق (121 - الانعام) . وَفي قَوْلِه تَعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُم الذِكرَ صَفْحًَا (5 - الزخرف) ، مَعناه: أتَحسَبونَ أنْ نَصفَحَ عنكُم فلا نُعَذِبكُم، وقيل في معناه: لَوْ أنَّ هَذا القرآنَ رُفِعَ حينَ رَدّتهُ أوائِلُ هذِه الأُمَّة لَهَلَكوا، ولكِنَّ اللهَ بِرَحمتِه كَرَّرَه عَلَيْهِم. وقولُه تَعالى: فلا تَسْأَلنِ عَن شيءٍ حتى أُحدِثَ لكَ مِنه ذِكْرًا (70 - الكهف) ، أَي: حتى أَبدأك أَنا بِه وأُبَيِّنَهُ لَكَ. وَقَولُه تَعالى: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاها (43 - النازعات) ، لَيسَ عِلْمُ الساعةِ إليكَ وَلا إلى أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ فَمَرَدُّها إلى الله تَعالى. وَقَولُه سُبْحَانَه: وَأُذْكُرْنَ ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ والحِكْمَة (34 - الاحزاب) ، أَي: إِعْمَلْنَ بِما يَنْزِلُ في بُيُوتِكُنَّ مِنَ القُرآنِ. وَقَولُه تَعالى: الذينَ كانَت أَعيُنُهُم في غِطاءٍ عَنْ ذِكرْي (101 - الكهف) ، لايَنظُرون في آياتِ الله أَو يَتَفَكَّرونَ فيها. وَالتَذْكيرُ خِلافَ التَأْنيثِ والذَّكَرُ خِلافَ الأُنْثَى، قال تعالى: وليسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى (36 - آل عمران) ، ولا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُما أَفْضَل مِنَ الآخَر، إِنَّما كانَ الذَّكَرُ في شَريعَتِهِم هو المُؤَهَّلُ لِلقيامِ على بَيوتِ العِبادَة، إلا أَنَّ اللهَ سُبحانه تَقَبَّل مَرْيَم لِحِكٍمَةٍ أَرادَهَا. والجَمعُ ذُكُور وذُكرَان وَمَذاكير على غير قِياس كَأنَّهم فَرَّقوا بَين الذِّكْر الذي هو العَمَل والذَّكَر الذي هو العُضو، والذكَرُ يُثّنَّى كَمَا في قَوْلِه تَعالى: قُلْ آلذَكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْن (143 - الأنعام) ، وَيُجْمَع كَما في قوْلِه تَعالى: وَيَهبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُور (49 - الشورى) . وَفِي الحديثِ: إذا غَلَب ماءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأة أذْكَرا، أَي: وَلَدا ذَكَرًا، وَفِي الدُّعاءِ: أْذكَرَتْ وَأَيْسَرَتْ، أَي: وَلدَت ذَكَرًا وَيَسّرَ اللهُ عَلَيْها. وفي حَديثِ عائِشَة رَضِيَ الله عَنْها: وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَطَيَّبُ بِذكَارَةِ الطِّيبِ، الذِّكارة -بالكسر- مايَصْلُحُ لِلرِّجال كَالمِسْكِ والعَنْبَر وَالعُود، وَالذِّكْرُ: الصِّيتُ، يَكونُ في الخيْر والشَرِّ.