الطعامِ كانَ حِلاًّ لِبَني إسرائيلَ إلا مَا حَرَّمَ إسرائيلُ على نَفْسِه (93 - ال عمران) ، عَن إبنِ عباس أَنَّ اليهودَ قالوا لِلنبي صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرْنَا ما حَرَّمَ إسرائيلُ على نَفْسِه، قال: كانَ يَسْكُنُ البَدْوَ فاشْتَكَى عِرقَ النَّسَا فَلَمْ يَجِد شيئًَا يُلاِئمُه إلا لحومَ الإبِل وأَلبانِها فَلِذلِكَ حَرَّمها، وكانَ ذلِكَ بِإجتهادٍ مِنه، فَجَعلَ بَنوه يَتبعونَ بَعدَ ذلِكَ العُروقَ فَيُخْرِجونَها مِنَ الَّلحم. وفي تَساؤُلِ الكُفَّارِ عَنْ طَبيعَةِ الأَنْبِياءِ قولُه تَعالى: وَقالوا ما لِهَذا الرسولِ يَأْكُلُ الطعامَ وَيَمْشي في الأَسواقِ (7 - الفرقان) ، فَجَاءَ قولُه تَعالى: وما جَعَلْناهُم جَسَدًَا لا يَأكُلونَ الطعامَ (8 - الأنبياء) ، أِي: كِانوا أِجْسِامًِا يَأْكُلونَ الطعامَ، ومَنْ أَكَلَ الطعامَ فَلا بُدَّ مِن إخْراجِ الفَضَلات فَهُم كَسائِرِ البَشَرِ يَأكُلونَ ويَشرَبون وَيَتَزَوَّجون وَيَتَرَدَّدونَ إلى الأَسواقِ لِلكَسْبِ والتِجَارَة. وقولُه تَعالى: وطَعامُ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلُّ لكُم وطَعامُكُم حِلٌّ لَهم (5 - المائدة) ، أي: ذبائِحُهم وذَبائِحُكُم. والطعامُ يُعطى لِلمساكينِ كَفِدْيَةٍ عَن الشيخِ الفاني لِعَجْزِه عن صيامِ رَمَضان، قَال تَعالى: وعلى الذينَ يُطيقُونَه فِدْيَةُ طعامِ مِسكين (184 - البقرة) ، أَو كَفَّارةٍ لِيَمينٍ في قولِه تَعالى: فَكَفَّارَتُه إطعامُ عَشْرَةِ مَساكِينَ (89 - المائدة) ، أَو قَتْلِ صيدٍ أَثناءِ الإحْرامِ في قولِه سُبحانه: هَدْيًَا بَالِغَ الكَعْبةِ أو كفارةٌ طعامُ مَساكِينَ (95 - المائدة) . وفي تَوبيخِ مَنْ لا يُطْعِمونَ المَساكِين قولُه تَعالى: وَلا يَحضُّ على طعامِ المِسْكِين (3 - الماعون) . وفي صِفَةِ طعامِ الكُفَّارِ يومَ القِيامَة قولُه تَعالى: ولا طَعامٌ إلا مِنْ غِسْلِين (36 - الحاقة) ، قيلَ شجرةٌ في جَهنم، وقيلَ صَديدُ أَهْلِ النارِ، وقولُه تُعالى: ليسَ لهُم طعامٌ إِلا مِن ضَريعٍ (6 - الغاشية) ، قيل شَجرةٌ ذاتُ شوكٍ لاطِئَةِ بِالأرضِ، وقيلَ هوالشَّبرِق، تُسمِّيه قُريش الشبرِق في الربيعِ، وفي الصيفِ الضَّريع، وقولُه تَعالى: وَطَعامَاّ ذا غُصَّةٍ (13 - المزمل) ، يَنْشِبُ في الحَلْقِ فلا يَدْخُلُ جَوْفَهُم ولا يَخْرُجُ مِن حُلوقِهِم. وفي قولِه تَعالى: أٌحِلَّ لكُم صيدُ البَحْرِ وطعامُه مَتاعَاّ لكُم (99 - المائدة) ، وطعامُ البحرِ ما لَفَظَه مِنْ مَيْته، واستدلَّ الجُمهورُ على حِلِّ مَيْتِةِ البحرِ بِهذِه الآيَة، وَبِقَوْلِه صَلى الله عليه وسلم: هَو الطَّهورُ ماؤه الحِلُّ مَيْتَتُه. وقولُه تَعالى: لَيْسَ على الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيمَا طَعِمُوا (93 - المائدة) ، تُبَيِّنُ هذِه الآيةُ حالَ مَنْ ماتَ قَبْلَ تَحريمِ الخَمْرِ وحالَ مَنْ ماتَ بَعْدَه، أَي: لا إثْمَ على الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ فِيمَا تَناوَلُوه مِنْهَا قَبْلَ التَحريمِ إذا ما اتَّقَوْا وَثَبَتوا على الأيمانِ والأَعمالِ الصالِحَةِ. والطَّعمُ ما يُؤَدِّيه الذوقُ، يُقال طَعْمُه مُرٌّ، والطَّعْمُ أيْضَا ما يُشْتَهَى مِنه، يُقالُ لَيْسَ لَه طَعْم، قال تَعالى: وأَنهارٌ مِن لَيبَنٍ لَم يِتَغَيَّر طَعمُه (15 - محمد) ، فَتَغييرُ طَعْمِ الطَّعامِ والشَّرابِ دلالَةٌ على تَلَفِه وَفَسادِه، كَما جاءِ في قولِه تَعالى: وأُنْظُر إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَم يِتَسَنَّه (259 - البقرة) ، لَم يَتَغَيَّر عَبْرَ السنين وَلَم تَذهَبْ طَراوَتُه. وطَعِمَ الشيءَ يَطعَمُه إذا ذَاقَه مَأْكولًا أَو مَشروبًَا، وقد يُسْتَعْمَلُ (طَعِمْتُ) في الشرابِ، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في زَمْزَم: إنَّه طعامُ طُعْم وشفاءُ سُقْم، فَتَنْبيهٌ مِنْهُ أَنَّه يُغذِّي بِخِلافِ سائِرِ المِياه. وفي قِصَّةِ موسى عليه السلام مع قَوْمِه: وَإِذْ قُلْتُم يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ على طعامِ واحِد (61 - البقرة) ، فَقَد ضَجِرُوا المَنَّ والسَلْوى وطَلَبوا الأَطْعِمَةَ الدَّنيئَة كَالبُقُولِ وغيرِها. وقولُه تَعالى في قِصَّةِ أَصحابِ الكهفِ: فَلْيَنْظُرْ أَبُّها أَزكَى طَعامَاّ فَلْيَأتِكُم بِرِزقٍ مٍنه (19 - الكهف) ، أي: أَطيبَ طعامٍ وأَطْهَرَه. وفي قولِه تَعالى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِه (24 - عيس) ، فيه إمْتِنانٌ وفيهِ إسْتِدْلالٌ بِأحياءِ النَباتِ مِنَ الأَرضِ الهَادِئَة على إحياءِ الأَجسامِ بَعْدَ أَنْ كانَت عِظامًَا بَالِيَة. وَاسْتَطْعَمَه: سَأَلَه أَنْ يُطْعِمَه، قالَ تَعالى في قِصَّةِ موسى عليهِ السلام مَعَ العَبْدِ الصَّالِح: حتى إذا أَتَيا أَهْلَ قَريَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَها فَأبَوا أَنْ يُضَيِّفُوهُما (77 - الكهف) ، رَفَضوا تَقديمَ الطعامِ لَهُمَا، وفي الحديثِ (حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما) ، أَي: بُخَلاء. وقولُه تَعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِيما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمِ يَطْعَمُه (145 - الأنعام) ، أَي: على آكِلٍ يَأكُلُه فَنَفَي مَا حَرَّمه الناسُ مِنَ البَحيرَةِ والسَّائِبَة. وقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًَّا فَاطِرَ السماواتِ والأَرضِ وهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَم (14 - الأنعام) ، أَي: هُوَ الرَّزاقُ مِنْ غَيْرِ إحْتِياجٍ إليهِم لِقَوْلِه تَعالى: ما أُريدُ مِنْهُم مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُريدُ أَنْ يُطْعِمُون (57 - الذاريات) ، ومِنْ دُعاءِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ فَراغِهِ مِنْ طَعامٍ دُعِيَ إليه: الحَمْدُ للهِ الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَم ومَنَّ