تَعالى: خُلِقَ الإنسانُ مِن عَجَل (37 - الأنبياء) ، أَي: مِن عَجَلٍ وعِلى عَجَل كَأنَّكَ قُلْتَ: رُكِّبَ على العَجَلَةِ، بِنِيَّتِه العَجَلة وِخْلْقَتِه العَجَلة وعَلى العَجَلة ونَحوِ ذلك، وَلِكَثْرَةِ عَجَلِه في أَحوالِه كَأَنَّه خُلِقَ مِنه. والعَرب تَقول للذي يُكْثِرُ الشيءَ: خُلِقْتَ مِنه، كما تَقول: خُلِقَ مِن لَعِب إذا بُولِغَ في وَصْفِه بِالَّلعِب. قيلَ إنَّ آدمَ عليه السلام لَما بَلَغَ مِنْهُ الروحُ الرُّكْبَتَيْن هَمَّ بِالنُّهوضِ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ القَدَمَيْن، فَقال اللهُ عزَّ وجل: خُلِقَ الإنسانُ مِن عَجَل، فَأَوْرَثَنا آدَمُ العَجَلَةَ، ولِذا وُصِفَ الإنسانُ بِالعَجَلةِ كَما في قولِه تَعالى: وكانَ الإنسانُ عَجُولًا (11 - الإسراء) ، والمُراد أَنَّ جِنسَ الإنسانِ خُلِقَ مَجْبولًا على العَجَلَةِ والَتسَرُّعِ بِطَلَبِ الشيءِ وَتَحرِّيهِ قَبِلَ أَوانِه، قال تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَليهٍم إنَّما نَعُدُّ لَهُم عَدًَّا (84 - مريم) ، أَي: لا تَعْجَل يَا مُحُمَّد عَلى وُقوعِ العَذابِ بِهِم إنَّما نَعُدُّ لَهُم السنينَ والشُّهورَ والأَيَّام والسَّاعَات، قَالَ إبنُ عباس: بَلْ َنُعُّد أَنْفاسَهُم، ولِذَا نَبَّهَنا الحقُّ سُبحانه بِقَولِه: سَأُوريكُم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلون (37 - الأنبياء) ، أَي: لا تَسْتَعْجِلوا العذَابَ، وقَد أَراهُم اللهُ القَتْلَ يَومَ بَدْر. كَمَا حَذَّرَنَا اللهُ عزَّ وجَلَّ مِنْ اسْتِعجالِ الشَرِّ بِقولِه: وَلَو يُعَجِّلُ الله لِلناسِ الشَرَّ إسْتِعْجَالَهُم بِالخَيرِ لَقُضِيَ إلَيهِم أَجَلُهُم (11 - يونس) ، مَعناه لَو عَجَّل اللهُ لِلنَّاسِ الشَرَّ إذا دَعَوا بِه عَلى أَنْفُسِهِم عِنْدَ الغَضَبِ وعلى أَهْليهِم وَأَولادِهِم واسِتَعْجَلوا بِه كَمِا يِسْتَعْجِلونَ بِالخيرِ والرَّحْمَةِ لَقُضِيَ إلَيهِم أَجَلُهُم أَي مَاتوا، فَقال سُبحانه: لِمَ تَسْتَعْجِلونَ بِالسَيِّئَةِ قَبلَ الحَسَنَةِ (46 - النمل) ، أَي: تَسْتَعْجِلونَ العذابَ قبلَ الرَّحمَةِ فَلَو اسْتِغْفَرْتُم اللهَ سَبحانه مِنَ الشِّرْكِ لَعَلَّكُم تُرْحَمون، وقوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَقَد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهُم المَثُلات (6 - الرعد) ، أَي: وَقَد خَلَت مِنْ قَبْلِهِم عُقوبَاتُ أَمْثالِهِم مِنَ المُكَذِّبين. وقَالَ تَعالى: ما عِنْدي مَا تَسْتَعجِلون بِه لَو أَنَّ عِندي مِا تِستِعجِلونَ بِه لَقُضِيَ الأَّمْرُ بيني وبَيْنَكُم (58 - الأنعام) ، أَي: لَو كانَ عِندي لَعَجَّلْتُه لَكُم واسْتَرَحْتُ ولَكٍنَّه عِنْدَ الله سُبْحانَه وَهُو أَعْلَمُ بِالظَّالِمين مَتى يُعَاقِبُهُم. وفي قِيامِ الساعَةِ يَقول تَعالى: أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلوه (1 - النحل) ، أَتى بِصِيغَةِ المَاضِي لِقُرْبِ وُقُوعِه فَلا تَطْلُبوا العذَابَ قَبلَ حِينِه، ولِذا قَالَ تَعالى: أَثُمَّ إذا مَا وَقَع آمَنْتُم بِه الآنَ وقَد كُنْتُم بِه تَسْتَعْجِلون (51 - يونس) ، وإسْتِعْجَالُهُم العذابَ كانَ إسْتِهْزاءً مِنْهُم. وَعَجِلْتُ الشيءَ: سَبَقْتُه، وأعْجَلْتًه: إسْتَحْثَثْتُه على العَجَلة. قَال تَعالى: وَمَا أَعْجَلَك عَن قَومِكَ يا مُوسى، قَال هُم أُولاءِ على أَثَري وَعَجِلْتُ إليكَ رَبِّ لِتَرضَى (83 و 84 - طه) ، أُمِرَ موسى عليه السلام بِحُضورِ الميقاتِ مَع قَومٍ مَخصُوصِينَ مِنْ بَني إسرائيل لِيَأْخُذوا التَوراةَ فَعَجَّلَ موسى مِنَ بَيْنِهِم مٌشَوِقًَا إلى رَبِّه وأَمَرَهُم أن يَتْبَعوه إلى الجَبَلِ، فَعَجَلَتُه وإنْ كانَت مَذْمُومُةَ، فالذي دَعا إليَها أَمْرُ مَحْمود. والعاجِلَةُ هي الدُّنْيا والآجِلَة هي الآخِرَة، وَرَدَ هذا في قَولِه تَعالى: كَلا بَل تُحِبُّونَ العاجَلَة وَتَذَرون الآخِرَة (20 و 21 - القيامة) ، وَبَيَّنَ لَنا سُبحانَه فَضْلِ الآخِرَة على الدُّنْيا بِقَولِه تَعالى: مَنْ كانَ يُريدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لهُ فَيها مَا نَشاءُ لِمَن نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّم يَصلاها مَذْمُومًَا مَدْحُورًا (18 - الإسراء) ، أَي: الأَعْرَاضَ الدُنْيَوِيَّة، وَهَبَنا مَا نَشاءُ لِمَن نُريدُ أَنْ نُعْطِيه. أَمَّا العَجَلَةُ المَحْمٌودَة فَفي قولِه تَعالى: إنَّهُم كانوا يُسارِعونَ في الخَيْراتِ (90 - الأنبياء) ، وقولُه تَعالى: سابِقُوا إلى مَغْفِرَةِ مِن رَبِّكُم (21 - الحديد) ، والعَجَلَةُ المَباحَة في قَوْلِه تَعالى: فَمَن تَعَجَّلَ في يَومَيْنِ فَلا إثْمَ عَليه (203 - البقرة) ، في مَعْرضِ مَناسِكِ الحَجِّ. والعُجالة: ما يُعجَّل أَكْلُه كاللُّهنَة، أَي: السُّلْفَة وهي الطعام الذي يُتُعَلَّلُ بَه قَبْلَ الغَداء، يقال: عَجَّلْتُم كَما يَقال لَهَّنْتُم. والعِجْلَة: الأَداةُ الصغيرَةُ التي يُعجَّل بِها عِندَ الحَاجَة، والعَجَلَة: خَشَبَةٌ مُعْتَرِضَة على نَعَامَةِ البِئر، ومَا يُحْمَل على الثِّيران، وذلِكَ لِسَرْعَةِ مَرِّها. والعِجْلُ: وَلَدٌ البَقَرَةِ وَجَمْعُها عُجُول. قال تَعالى في قِصَّةِ السامِرِيّ: فِأَخْرَجَ لَهُم عِجْلًا جَسَدًَا لَه خُوَار (88 - طه) وهو العِجْلُ الذي صَنَعه السامِرِيُّ لِبَني إسرائيل مِنْ حُلِيِّهِم وَأَوْهَمَهُم أَنَّه هو الإلَه الذي يَجِب أَنْ يُعْبَد، فَقال تَعالى: واتَّخَذ قَومُ موسى مِنْ بِعَدِه مِن حُلِيِّهِم عِجْلًا جَسَدًَا (148 - الأعراف) ، وذَلِكَ أَثْناءَ غِيابِ مُوسى عَليهِ السَّلام لِتَلِقِّي التَوراة، وكَانَ التَوبيخُ لَهُم مِنَ اللهِ سُبْحانَه بِقولِه: إنَّكٌم ظَلَمْتُم أَنْفُسَكٌم بِاتِّخاذِكُم العِجْلَ (54 - البقرة) ، وَكانُوا رَاغِبينَ في