القُدْرَةُ: إسمٌ لِهَيْئَةِ الإنسانِ بِها يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعلِ شيءٍ مَا، وَإذا وُصِفَ اللهُ تَعالى بِها فَهِيَ نَفْيُ العَجْزِ عَنه، وَمُحال أَنْ يُوصَفَ غَيرُ الله بِالقُدْرَةِ المُطْلَقَة مَعْنىً وإنْ أُطْلِقَ عَليه لَفْظًَا، بَلْ حَقُّه أَنْ يُقال: قَادِرٌ عَلى كَذا، وَمَتى قيلَ هُوَ قَادِرٌ، فَعلَى سبيلِ مَعنى التَقْييدِ، وَلِذا لا أَحَدَ يُوصَف بِالقُدْرَةِ مِن وَجهٍ إلا وَيَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِالعَجْزِ مِن وَجْهٍ، واللهُ تَعالى هو الذي يَنْتَفِي عنه العَجْزُ مِنْ كُلِّ وَجه. والقَدير: هُو الفاعِلَ لِما يَشاءُ عَلى قَدَرِ ما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ، لا زائِدًَا عَليه ولا نَاقِصًَا عَنه، وَلِذلك لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِه إلا اللهُ تَعالى، قَالَ عَزَّ وجل فِي أَرْبَعَةِ وَثَلاثِين آيَة: إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قَدير (20 - البقرة) ، والمُقْتَدِر يُقارِبُه، نَحو: عِندَ مَليكٍ مُقْتَدِر (55 - القمر) ، لَكِن قَد يُوصَفُ بِه البَشَر، وإذا استُعْمِلَ فِي اللهِ تَعالى فَمَعناه القَديرُ، وإذا استُعْمِلَ في البَشَرِ فَمَعناه: المُتكلِّف والمُكتسِب لِلقُدْرَة، يُقال: قَدَرْتُ عَلى كذا. قَالَ تَعالى: لا يَقْدِرونَ عَلى شيءٍ مِمَّا كَسَبوا (264 - البفرة) . والقَدَر والتَقْدِّيرُ: تَبيينُ كَمِّيَةِ الشيءِ، يَقال: قَدَرْتُه وقَدَّرْتُه، وقَدَّره: أَعْطاه القُدْرَة. يُقال: قَدَّرَني اللهُ على كَذا وقّوَّاني عَليه. وتَقْديرُ اللهِ بِالحُكْمِ مِنه أَنْ يَكونَ كَذَا أَو لا يَكون كذا، إمَّا عَلى سَبيلِ الوُجوبِ، وإمَّا على سبيلِ الإمْكانِ، وَعلى ذلِكَ قولُه تَعالى: قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شيءٍ قَدْرًَا (3 - الطلاق) ، أَو بِإعطاءِ القُدْرَةِ عَليه، وقولُه تَعالى: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرون (23 - المرسلات) ، تَنْبيهًَا أَنَّ كُلَّ مَا يَحْكُم بِه فَهو مَحْمودٌ في حُكْمِه، أَو مِنْ إعْطَاءِ القُدْرَةِ، وقَوْلُه تَعالى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنكُم الموتَ (60 - الواقعة) ، فَإنَّه تَنْبيه أَنَّ ذلِكَ حِكْمَةٌ مِنْ حيثُ أنَّه هُو المُقّدِّر، وَتَنْبيهًا أَنَّ ذلِكَ ليسَ كَما زَعَمَ المَجوسُ أنَّ اللهَ يَخْلُقُ وَإبْليسُ يَقْتُل. وقَولُه تَعالى: إنَّا أَنْزَلْنَاه فِي لَيْلَةِ القَدْرِ (1 - القدر) ، أَي: لِيْلِةٍ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهر ليسَ فِيها ليلةُ قَدْرٍ، وهِيَ الليلةُ التي تُقدَّرُ فِيها الأرْزاقُ وَتُقضَى، وَسُمِّيَت ليلةُ القَدْرِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَشَرَفِها: أُنْزِلَ فِيها كتابٌ ذِي قَدْرٍ بِواسِطَةِ مَلكٍ ذي قَدْر عَلى رسولِ ذِي قَدْرٍ لأُمَّةٍ ذاتِ قَدْر ولِلطاعَاتِ فِيها قَدْر، وقِيلَ: الحُكْمُ، لِقولِه تَعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيم. وَتَقْديرُ اللهِ الخَلْقَ تَيسيرُه كُلاَّ مِنهُم لِما عُلِمَ اَنَّهُم صائِرونَ إليه مِنَ السَّعادَة والشقاءِ. وفِي قَولِه تَعالى في امْرَأَةِ لوطٍ عليه السلام: إلا إمْرَاَتَه قَدَّرْنَا أَنَّها لَمِنَ الغَابِرِين (60 - الحجر) ، دَبّرنَا أَنَّها لَمِنَ الباقِين فِي العَذاب. وَقَدّرَ الرِّزْقَ وَقَدَّرَه: قَسَمَه، والمِقْدار: القُوَّة، والقَدْر: الغِنى واليَسَار، وهو مِنْ ذَلِكَ لأنَّه كُلُّه قُوَّة. وَقَدْرُ كُلِّ شيءِ ومِقْدَارُه: مَقاسُه، ومِنه قولُه تَعالى: وَكُلُّ شيءٍ عِنْدَه بِمِقْدار (8 - الرعد) . وَقَوْلُه تَعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يَا مَوسى (40 - طه) ، قِيلَ فِي الَتْفسيرِ: عَلى مَوْعِدٍ، وقِيلَ عَلى قَدْرٍ مِن تَكلِيمي إيَّاك. وَقَدَر عَليه الشيءَ يَقْدِرُه وَيقْدُره قَدْرًَا: ضَيَّقه، يَقْدِر: يُضَيّق، يُقَابِلها: يَبْسُط، قالَ تَعالى: اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لٍمَن يَشاءُ وَيَقْدِر (26 - الرعد) ، وَقَولُه تَعالى: عَلى المُوسِعِ قَدَرُه وَعَلى المُقْتِرِ قَدَرُه (236 - البقرة) ، أَي: طَاقَتُه. وفي قولِه تَعالى: والذي قَدَّر فَهَدَى (3 - الأعلى) ، أَي: قَدَّرَ قَدْرًَا وَهَدى الخَلائِقَ إليه، ولِهذا اسْتِدلَّ بِهذِه أَئِمَّةُ السُنَّةِ عَلى إثْباتِ قَدرِ اللهِ السابِقِ لِخَلْقِه، وهُو عِلْمُه بِالأشياءِ قيلَ كَونُها وَكِتابَتِه لَها قَبْلَ بَرئِها وَرَدُّوا بِهذِه الآيَةِ وبِمَا شَاكَلَها عَلى الفِرْقَةِ القَدَرِيَّةِ الذينَ نَبَغوا في أَواخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وفي الحديثِ: جاءَ مُشْرِكُو قُريشٍ إلى النَبِيِّ صَلى اللهُ عليهِ وَسَلَّم يُخاصِمُونَه في القَدَرِ فَنَزَلَ قولُه تَعالى: يومَ يُسْحَبونَ في النارِ عَلى وُجوهِهِم ذُوقوا مَسَّ سَقَر، إنَّا كُلَّ شيءٍ خَلَقْنَاهُ بَقَدَر (48 و 49 - القمر) ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِجوس وَمَجوسُ أُمَّتِي الذينَ يَقولُون لا قَدَر، قَالَ تَعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شيءٍ فَقَدَّرَه تَقْديرًَا (2 - الفرقان) ، وقولُه تَعالى في طُوفانِ نُوحٍ عليه السلام: فَالْتَقَى الماءُ عَلى أَمْرٍ قَد قُدِرْ (12 - القمر) ، أَي: قَدَّرَه اللهُ وَقَضَاه أَزَلًا. وفِي قولِه تَعالى: فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَليه (87 - الأنبياء) ، مِنَ العُقُوبَةِ مَا قَدَّرْنَا، وَمَن إعْتَقَدَ أَنَّ يُونُسَ عليهِ السلام ظَنَّ أنْ لَنْ يَقْدِرَ اللهُ عليهِ فَهو كَافِر، وَيُونُس عَليه السلام رسولٌ لا يَجوزُ ذلِكَ الظَنُّ عَليه، وقِيلَ فِي التَفسيرِ: فَظَنَّ أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عليه، فَقَد ضَيَّقَ اللهُ تَعالى عَلى يُونسَ أَشَدَّ تَضييقٍ اذْ حَبَسَه فِي بَطْنٍ الحُوت. وقولُه تَعالى: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُون (23 - المرسلات) ، أَي: فَقَدَّرْنَا ذلِكَ الوَقْتَ المَعلومَ تَقْديرًا مُحْكَمًَا وهُو قولُه تَعالى عَن الجَنينِ فِي بَطْنِ أُمِّه: فَجَعَلنْاهُ في قَرارِ مَكِين إلى قَدَرٍ مَعلوم (21 و 22 - المرسلات) .