فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 831

أَعْمَلوا فِكْرَهُم فِي كَيْدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وأَصحابِه وخِذلانِ دِينِه أَوَّلَ قُدُومِه لِلمدينَةِ، فَحَارَبَه يَهودٌ المَدينَةِ وَمُنافِقُوها. وَتَقلَّبَ في الأُمورِ والبِلادِ: تَصَرَّفَ فِيها كيفَ يَشاء، قَالَ تَعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي البِلاد (4 - غافر) ، وَقولُه تَعالى: أَوْ يَأْخُذَهُم فِي تِقِلُّبِهِم (46 - النحل) ، أَي: فَلا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهُم فِي تَصَرُّفِهِم في الدُنْيَا فَإنَّ عّاقِبَةَ أَمْرِهِم الهِلاك، وَقَال تَعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (219 - الشعراء) قَالَ ابنُ عباس، تَقَلُّبَه مِن صُلبِ نَبِيٍّ إلى صُلْبِ نَبِيٍّ حَتى أَخْرَجَه نَبِيًَّا، وقيلَ: فِي الصَلاةِ يَراكَ وَحْدَكَ وَيَراكَ فِي الجَمْعِ، وَقَالَ مُجاهِد: كانَ رَسولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَرَى مَنْ خًلْفَه كَمَا يَرى مَنْ أَمامَه. وَرُوِيَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم قولُه: سُبْحَانَ مُقَلِّبَ القُلوبِ والأَبِصارِ، وفي هَذا يَقولُ تعالى: وَنُقلّبُ أفْئِدَتَهُم وأَبْصارَهُم (110 - الأنعام) ، أي: تُحَّولُ قُلوبُهُم عَن الحَقِّ فَلا يَفْهَمُونَه وَأَبْصارَهُم عَنه فَلا يُبْصِرُونَه. وَقَولُه تَعالى: بَلْ ظَنَنْتُم أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرسولُ والمُؤمِنون إلى أَهْليهِم (12 - الفتح) ، أي: لَنْ يَعودُوا إلى المَدينَةِ. وقولُه تَعالى: وَيَنْقَلِبُ إلى أَهلِه مَسْرورًا (9 - الانشقاق) ، أَي: يَرجِعُ إلى أهلِه فِي الجَنَّةِ فَرِحًَا مُغْتَبِطًَا. والإنْقلابُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَل: المَصيرُ إليهِ والتَحَوُّلُ، وَقَد قَلبَه اللهُ إِلَيه. قَال تَعالى: قَالوا إنَّا إلى رَبِّنَا مُنْقَلِبون (125 - الأعراف) ، وَذلِكَ في قَوْلِ السَّحَرَةِ لِفْرْعَون بَعدَ أنْ آمَنوا، أي: تَحَقَّقْنَا أنَّا إليهٍ راجِعُون وَأنَّ عَذَابَه أشَدُّ مِن عَذابِك. وفِي قَولِ صَاحِبِ الجَنَّتَيْنِ لِصاحِبِه قَوْلُه تَعالى: وَلَئِن رُددِتُ إلى رَبِّي لأَجِدَّنَّ خَيْرًَا مِنها مُنْقَلَبًا (36 - الكهف) ، أي: لَئِن كانَ مَعادٌ لَيَكونَنَّ لِي هَناكَ أَحْسَنُ مِن هَذا الحَظِّ عِنْدَ رَبِّي. وَقالَ تَعالى: وَسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلموا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبون (227 - الشعراء) ، فِيها تَهديدٌ وَتَقْريعٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وإنْذارٌ بِسوءِ المَصيرِ، وقيلَ: إنَّ هذِه الآيَة عَامَّةٌ فِي كُلِّ ظَالِمٍ، وَقولُه تَعالى: إنْقَلَبْتُم عَلى أَعقابِكَم وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًَا (144 - آل عمران) ، أَي: مَنْ يِرْتَدَّ عَن دِينِه وَيَرْجِعَ كافِراَ فَلَن يُوهِنَ ذلِكَ عِزَّةَ الإسلامِ وَلا سُلْطانَه، وَقَد قَرَأَ الآيَةَ أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه عِنْدَ وَفاةِ الرسولِ صَلى اللهُ عليه وسلم. والقَلْبٌ: مُضْغَةٌ مُعَلَّقَةٌ بِالنِّياطِ، والجمع: قُلُوب، وَسُمِّيَ بِالقلبِ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِه، قَال تَعالى: نَزَلَ بِه الرٌّوحُ الأَمين عَلى قَلْبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنْذِرين (194 - الشعراء) ، مَعناه نَزَلَ بِه جِبريلُ عَليهِ السلام عَلَيْكَ فَوَعاهُ قَلْبُكَ وَثَبَتَ فَلا تَنْساه أبَدًَا. وَقَد يُعَبَّرُ بِالقلبِ عَن العَقْلِ كَما في قولِه تَعالى: إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَه قَلْبٌ (37 - ق) ، أى: عَقْلٌ وَتَفَهُّم وَتَدبُّر، وَجائِزٌ فِي العَرَبِيَّةِ أنْ تَقول: أَيْنَ ذَهَبَ قَلْبُك؟ أَى: أيْنَ ذَهبَ عَقْلُك. وَقَولُه تَعالى: وَبَلَغت القُلوبُ الحَناجِرَ (10 - الأحزاب) ، أَي: الأَرْواحُ لِشِدَّةِ الفَزَع. وَمَرَضُ القَلْبِ الذي أَشارَ إليهِ القرآنُ الكريم هُو النِّفَاقُ وَهُوَ الكُفْرُ قَالَ تَعالى: إذْ يَقولُ المُنافِقون والذينَ في قُلوبِهِم مَرضٌ (49 - الانفال) ، وَقَال تَعالى: وَلِيَقُولَ الذينَ فِي قُلوبِهِم مَرَضٌ والكَافِرون (31 - المدثر) ، وَسُمِّىَ مَرضًَا لِكَونِه مَانِعًَا مِنْ إدْراكِ الفَضَائِلِ، كَالمَرَضِ المَانِعِ لِلبَدَنِ مِنَ التَصَرُّفِ الكامِل، أَو لِكَونِه مَانِعًا مِن تَحصيلِ السَّعَادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، أَو لِمَيْلِ النفسِ إلى الإعْتِقَاداتِ الفَاسِدَة مَيْلَ المَريضِ إلى الأَشياءِ المَضِرَّةِ. وَجاءَ ذِكْرُ المَرضَى فِي القَلْبِ فِي إثْنَتَيْ عَشْرَةَ آيَة فِي القرآنِ الكَريمِ. وَقَد تَقْسُو القُلوبُ فَلا تَخْشَع لِذِكْرِ اللهِ وَلا تَحْنو عَلى اليَتيمِ، قَال تَعالى: فَقَسَتْ قُلوبُهُم وَكَثيرٌ مِنهُم فَاسِقُون (16 - الحديد) ، وَقَد تَوَعَّدَ اللهُ تَعالى قُساةَ القُلوبِ بِالوَيْلِ. وفِي قولِه تَعالى: مَاجَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوفِه (4 - الأحزاب) ، نَزَلَت فِي زَيدِ بنِ حَارِثَه الذي تَبَنَّاهُ الرَّسولُ صَلى الله عليه وَسَلَّم وَفِيها نَسْخٌ لَلتَبَنِّي كَمَا أنَّ فِيها لَومٌ لِلمظَاهِرِينَ مِن نِسائِهِم، فَكَمَا أنَّه لا يَكونُ لَلشَخْصِ الوَاحِدِ قَلْبانِ فِي جَوْفِهِ وَلا تَصيرُ زَوْجَتُه التي يُظاهِرَ مِنَها بِقَولِه أنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّي: أًمًَّا لَه. وفِي الرَّبْطِ عَلى القُلوبِ يَقولُ تَعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فَارِغًَا إنْ كَادَت لَتُبْدِي بِه لَولاَ أنْ رِبِطْنَا عَلى قَلْبهِا لِتَكونَ مِنَ المُؤمِنين (10 - القصص) وفي أَصْحابِ الكَهْفِ: وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِم إذْ قَامُوا فَقَالوا رَبُّنَا رَبُّ السماواتِ والأَرضِ (14 - الكهف) ، وَبِهَذا الرَّبْطِ الإلَهِيِّ عَلى القُلُوبِ أنْعَمَ اللهُ سُبحانه عليهِم بِالثَبَاتِ والصَبْرِ والطُمَأْنِينَة. وفي المُقابِل نَقْرَأُ قَولَه تَعالى: خَتَم اللهُ عَلى قُلوبِهِم (7 - البقرة) ، أى: طَبَع على قُلوبِهِم فَلَم يِفْهَموا قَوْلًا وَلَم يُبصِروا حُجَّةً، وقَولُه تَعالى: أَمْ عَلى قُلوبٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت