1 -الهَدايَةُ التي عّمَّ بِجِنْسِها كُلَّ مُكَلَّفٍ مِنَ العَقْلِ، وَالفِطْنَةِ، وَالمَعارِف الضَرُورِيَّةِ التي أَعَمَّ مِنْها كُلَّ شيءٍ بِقَدَرِ فِيه حَسْبَ إحتِمَالِه كَما قَال تَعالى: رَبَّنَا الذي أَعْطَى كُلَّ شيءٍ خَلْقَه ثُمَّ هَدى (50 - طه) ، وَقَولُه تَعالى: وَلِكُلِّ قَومٍ هَاد (7 - الرعد) .
2 -الهَدَايَةُ التي جَعَلَ لِلناسِ بِدُعَائِه إيَّاهُم عَلى أَلْسِنَةِ الأنْبياءِ وإنْزالِ القَرآن وَنَحوِ ذَلِك، وَهُوَ المَقْصودُ بِقَوْلِه تَعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُم أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (73 - الأنبياء) .
3 -التَوفِيقُ الذي يَخْتَصُّ بَه مَن إهْتَدَى، وهُوَ المعنيُّ بِقولِه تَعالى: والذينَ إهْتَدَوْا زَادَهُم هُدَى (17 - محمد) ، وَكُلُّ هِدايَةٍ ذَكَر اللهُ عَزَّ وَجَل أَنَّه مَنَع الظَالِمينَ وَالكَافِرينَ فَهِيَ التَوفِيقُ الذي يَخْتَصُّ بِه المُهْتَدُون،
4 -الهَدَايَةُ فِي الآخِرَةِ إلى الجَنةِ المَعني بِقَولِه تَعالى: سَيَهْديهِم وَيُصْلِحُ بَالَهُم (5 - محمد) ، وَمَنَعَ اللهُ الكافَرينَ والظَّالِمينَ الثَوابَ فِي الآخِرَةِ وَإدخَالَ الجنةِ فِي قَولِه تَعالى: وَاللهُ لا يَهْدِي القَومَ الظَالِمِين (86 - آل عمران) .
وَهذِه الهِداياتُ الأَرْبَع مُتَرَتِّبَةٌ، وأُشِيرَ إلَيْهَا بِقَولِه تَعالى: إنَّك لا تَهدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (56 - القصص) ، ومَنْ لَم تَحصَلْ لَه الأولَى لا تَحْصَلْ لَه الثَّانِيَة بِل لا يَصِحُّ تَكْلِيفُه، وَمَن لَم تَحصَلْ لَه الثَانِيَة لا تَحْصَل لَه الثَالِثَة والرَّابِعَة، وَمَنْ حَصَل لَه الرَّابِعَة فَقَد حَصَل لَه الثَلاثُ التي قَبْلَها، وَمَنْ حَصَل لًه الثَالِثُ فَقَد حَصَل لَه اللذانِ قَبْلَه. وَقَولُه تَعالى: إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار (3 - الزمر) ، الكَاذِبُ الكَفَّار هُوَ الذي لا يَقْبَلُ هِدايَتَه، فَإنَّ ذَلِكَ رَاجِع إلى هَذا وإنَّ لَمْ يَكُنْ لَفْظُه مَوْضُوعًَا لِذَلِك، وَمَنْ لَمْ يَقبَلْ هِدايَتَه لَم يَهْتَدِ كَقولِك مَنْ لَم يَقْبَل عَطِيَّتِي لَم أُعْطِه. أَمَّا فِي قولِه تَعالى: إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَاد (7 - الرعد) ، أَي: رَسولٌ يَهدِي إلى اللهِ عَزَّ وَجَل، وَقيِلَ قَائِد، وَقِيلَ هُوَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَيُقَال: هَدَيْتُه الطَريقَ وإلى الطَريقِ: بَيَّنتُ لَه ذَلِكَ وَأَرْشَدْتُه، وَمِنْه قَولُه تَعالى: أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُم، إهْدِنَا الصِراطَ المٌستَقيم، وَهُدوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَولِ. وفِي الحَديثِ: مَنْ هَدَى زُقَاقًَا كانَ لَه مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَة، أِي: مَنْ عَرَّفَ ضَالا أَو ضَريرًَا طَرِيقَه. وفي حَديثِ عَبدِ الله بنِ مَسعود: إنَّ خَيْرَ الهَدْيِ هَدْيِ سَيِّدِنا مُحمد صلى اللهُ عليه وسلم، أَي: أَحْسَنَ الطَريقِ، وَمَعْنى الحَديثِ أَنَّ هذِه شَمائِلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ جُمْلَةِ خَصَائِصِهِم، فَالنُبُوُّةُ غَيْرُ مُكْتَسَبَة وَإنَّما هَيَ كَرامَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى. وَالمَهدِيُّ: الذي هَدَاه اللهُ إلى الحَقِّ. وَاستُعْمِلَت الكَلِمَةُ فِي الأَسماءِ، وَبِه سُمِّيَ المَهْدِيُّ الذي بَشَّرَ بِه النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَقَوْلُه تَعالى: وَيَزيدُ اللهُ الذينَ إهتَدوْا هُدَى (76 - مريم) ، بِأَنْ يَزيدَهُم فِي يَقِينهِم هُدَى كَمَا أَضَلَّ الفَاسِقَ بِفِسْقِه. وَقولُه تَعالى: وَإنِّي لَغفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا ثُمَّ إهْتَدَى (82 - طه) ، أَي: أَقامَ عَلى الإِيمانِ. وَهَدَى وَاهْتَدَى بِمَعنى. وَقَولُه تَعالى: إنَّ الله لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ (37 - النحل) ، أي: أنَّ حِرْصَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلى هِدَايَتِهِم لا يَنْفَعُهُم إنْ كانَ اللهُ سَبْحانَه قَد أَرَادَ إضْلالَهُم. وَقَولُه سَبحانَه: أَفَمَن يَهدِي إلى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبعَ أَمَّنْ لا يَهدّي إلا أنْ يُهدَى (36 - يونس) ، المَعْنَى: أَنَّ الأَوثَانَ لا تَهْتَدِي وَلا تَنْتَقِلُ مِنْ مَكانِهَا، فَبَيَّنَ اللهُ بَهذَا عَجْزَ الأَوثَانِ وَالأَصْنامِ، فَهِيَ لا تَعْلَمٌ شَيْئًَا وَلا تَعرِفُ، أَي: لا هِدَايَةَ لَهَا، وَلَوهُدِيَت لَمْ تَهْتَدِ لأنَّها مَواتٌ مِنْ حِجَارَةٍ وَنحوِها، وَظَاهِرُ الَّلْفظِ أَنَّه إذا هُدِيَ إهْتَدَى لإخْراجِ الكَلامِ أَنَّها أُمَمٌ أَمثَالُكُم وَإنَّمَا هِيَ أَمْوات. وَلا يَهدّي أَي لا يَهْتَدِي، أُبْدِلَت التاءُ دالًا لإتِّحادِ مَخْرَجِهِما وَقُرْبِهِمَا، وَأُدْغِمَت فِي الدَالِ وَكُسرَت لإلْتِقاءِ السِاكِنَيْن. والهُدَى ضِدُ الضَّلالِ وَهُوَ الرَّشَاد. وَقَولُه عَز وَجَل: إنا هَدَيْنَاه السبيلَ إمَّا شاكِرًا وإمَّا كَفورًا (3 - الإنسان) ، وَقَولُه تَعالى: وَهدَيْناه النَجْدَيْنِ (10 - البلد) ، وَقَولُه تَعالى: وَهَدَيْناهُمَا الصِراطَ المُسْتَقِيم (118 - الصافات) ، فَذلِكَ إشارَةً إلى مَا عَرَّفَ مِنْ طَريقِ الخَيرِ وَالشَرِّ، وَطَريقِ الثَوابِ وَالعِقَابِ بِالعَقْلِ وَالشَرْعِ. وَقَولُه تَعالى: وَمَنْ يُؤمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَه (11 - التغابن) ، فَهُوَ إشارَةٌ إلى التَوفِيقِ المُلْقَى فِي الرَّوْعِ فِيمَا يَتَحَرَّاه الإنْسانُ. والهُدَى والهِدَايَة فِي مَوضوعِ الُّلغَةِ وَاحِد لَكِن قَد خَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَفْظَةَ الهُدَى بِمَا تَوَلاَّه وَأَعْطَاه، وَإخْتَصَّ هُوَ بِه دُونَ مَا هُوَ إلى الإِنْسانِ نَحوَ قولِه تَعالى: أُولئِكَ عَلى هُدَى مِنْ