الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 353
ويأتي خطرهم ثالثا من ارتباطاتهم مع سائر عناصر المجتمع بعلاقات بحيث
تصعب مكافحتهم .
ولهذا نرى أن أكثر الضربات التي تلقاها الإسلام على مدى التاريخ جاءته
من هذا المعسكر - أي معسكر النفاق . ولهذا - أيضا - نلاحظ أن الإسلام شن
حملات شديدة جدا عليهم ، ووجه إليهم ضربات عنيفة لم يوجهها إلى غيرهم .
وبعد هذه المقدمة نرجع إلى تفسير الآيات .
إن أول صفة يذكرها القرآن للمنافقين هي: إظهار الإيمان الكاذب الذي
يشكل الظاهرة العامة للنفاق ، حيث يقول تعالى: إذا جاءك المنافقون وقالوا
نشهد إنك لرسول الله ( 1 ) ويضيف والله يعلم أن المنافقين لكاذبون .
وهذه أول علامة من علامات المنافقين ، حيث اختلاف الظاهر مع الباطن ،
ففي الوقت الذي يظهر المنافقون الإيمان ويدعونه بألسنتهم ، نرى قلوبهم قد خلت
من الإيمان تماما . وهذه الظاهرة تشكل المحور الرئيسي للنفاق .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الصدق والكذب على نوعين:"صدق وكذب"
خبري"و"صدق وكذب مخبري"، يكون المعيار والمقياس في القسم الأول هو"
موافقته وعدم موافقته للواقع ، بينما يكون المقياس في القسم الثاني هو موافقته
وعدم موافقته للاعتقاد ، فإذا جاء الإنسان بخبر مطابق للواقع ولكنه غير مطابق
لاعتقاده ، فهذا من الكذب المخبري ، وفي حالة مطابقته لعقيدته فهو صادق .
وبناء على هذا فإن شهادة المنافقين على رسالة الرسول ليست من قبيل
الكذب الخبري لأنها مطابقة للواقع ، ولكنها من نوع الكذب المخبري إذ تخالف
اعتقاد المنافقين . لذلك جاء التعبير القرآني: والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد
إن المنافقين لكاذبون .
1 -ذكرت"إن"هنا مكسورة ، لأن لام التأكيد قد جاءت في بداية الخبر ، وفي هذه الصورة يقدم التقدير .