الأمثل / الجزء الرابع / صفحة -60-
حينما يرون المسلمين وهم يقيمون الصّلاة يبادرون إِلى الإِستهزاء بهم، لذلك حذر القرآن المجيد المسلمين عن التودد إِلى هؤلاء وأمثالهم.
يحذر القرآن في الآية المؤمنين من اتّخاذ أصدقاء لهم من بين المنافقين والأعداء، إِلاّ أنّه لأجل استثارة عواطف المؤمنين واستقطاب انتباهم إِلى فلسفة هذا الحكم خاطبهم بهذا الأُسلوب، كما تقول الآية: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ...) .
ولتأكيد التحذير تقول الآية في الختام: (واتقوا الله إِن كنتم مؤمنين) بمعني أنّ التودد مع الأعداء والمنافقين لا يتناسب والتقوى والإِيمان أبدًا.
«الهزو» هو الكلام المصحوب بحركات تصور السخرية، ويستخدم للإِستخفاف والإِستهانة بشيء أو شخص معين، وفسّر «الراغب» في كتابه (المفردات) الهزو بأنّه يقال لفعل المزاح والإِستخفاف الذي يصدر بشأن شخص في غيابه، كما يطلق في حالات نادرة على المزاح أو الإِستخفاف الذي يحصل بشخص معين في حضوره.
أمّا «اللعب» فهو الذي يصدر عبثًا وبدون هدف صحيح، أو خاليًا من أي هدف وسمّيت بعض أفعال الصبيان لعبًا لنفس السبب.
والآية الثّانية من الآيتين الأخيرتين تتابع البحث في النهي عن التودد إِلى المنافقين وجماعة من أهل الكتاب الذين كانوا يستهزئون بأحكام الإِسلام، وتشير إِلى واحد من ممارساتهم الإِستهزائية دليلا وشاهدًا على هذا الأمر، فتقول: (إِذا ناديتم إِلى الصّلاة اتّخذوها هزوًا ولعبًا ...) (1) .
1 ـ إختلف المفسّرون في الضمير الوارد في كلمة (اتّخذوها) هل يعود إِلى الصّلاة أو إِلى النداء وتفيد أسباب النّزول ـ التي أشير إليها سابقًا ـ صحة الإِحتمالين، لأنّ المنافقين والكفار كانوا يستهزئون بالآذان والصّلاة معًا، لكن ظاهر الآية يعزز الإِحتمال الاُوّل، أي أن الضمير يعود على الصّلاة.