الأمثل / الجزء الرابع / صفحة -426-
فقال له: إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، ولكن إِنّ لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «بل يتوب تائبهم» فأنزل الله تعالى الآيتين.
وردت في الآيات السابقة أدلة كثيرة كافية على التوحيد، وردّ الشرك وعبادة الأصنام، ومع ذلك فإِنّ فريقًا من المشركين المعاندين المتعصبين لم يرضخوا للحق، وراحوا يعترضون وينتقدون، من ذلك أنّهم أخذوا يطلبون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القيام بخوارق عجيبة وغريبة يستحيل بعضها أساسًا (مثل طلب رؤية الله) ، زاعمين كذبًا أنّ هدفهم من رؤية تلك المعجزات هو الإِيمان، في الآية الأُولى يقول القرآن: (اقسموا بالله جهد إِيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) (1) .
وفي الردّ عليهم يشير القرآن إِلى حقيقتين: يأمر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّلا أن يقول لهم: (قل إِنّما الآيات عند الله) ، أي أن تحقيق المعجزة لا يكون وفق مشتهياتهم، بل إِنّها بيد الله وبأمره.
ثمّ يخاطب المسلمين البسطاء الذين تأثروا بإِيمان المشركين فيقول لهم: (وما يشعركم أنّها إِذا جاءت لا يؤمنون) (2) مؤكدًا بذلك أنّ هؤلاء المشركين كاذبون في قسمهم.
كما أنّ مختلف المشاهد التي جرت بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد حقيقة
1 ـ «الجهد» بمعنى السعي وبذل الطاقة، والمقصود هنا الجهد في توكيد القسم.
2 ـ المفسّرون غير متفقين على «ما» ، أهي إستفهامية أم نافية؟ وكذلك فيما يتعلق بتركيب الجملة، بعضهم يقول إِنّ «ما» إستفهامية إستنكارية، ولو كانت كذلك لكان معنى الآية: أنّى لكم أن تعلموا إنّهم لا يؤمنون إن رأوا معجزة، أي إِنّه قد يؤمنون، وهذا خلاف ما تريده الآية، لذلك إعتبر بعضهم «ما» نافية، وهو الأقرب إِلى الذهن، فيكون معنى الآية: أنتم لا تعلمون إِنّهم حتى إذا تحققت لهم المعجزات لا يؤمنون، وعلى ذلك يكون فاعل «يشعر» مقدر بمعنى «شيء» وللفعل «يشعر» مفعولان «كم» و (إنها ...) (تأمل بدقّة) .