الأمثل / الجزء السادس / صفحة -249-
وقبوله:
ثالثًا: إِنّ الآية تحصر الانحراف عن طريق الحق والتخلف عنه بجماعة من المؤمنين، مع أنّها تصرح بأنّ الرحمة الإِلهية تعم الجميع، وهو بنفسه يبيّن أنّ توبة الله هنا ليست بمعنى قبول عذر العباد، بل هي الرحمة الإِلهية الخاصّة التي أدركت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل المؤمنين بدون استثناء في اللحظات الحساسة، وثبّتت أقدامهم في أمر الجهاد.
«السّاعة» من الناحية اللغوية بمعنى مقطع زمني، سواء كان قصيرًا أم طويلا، ولا يقال للزمن الطويل جدًا: ساعة. «والعسرة» بمعنى المشقة والصعوبة.
إِن تاريخ الاسلام يُبيّن أنّ المسلمين لم يعانوامثل ماعانوه في غزوة تبوك من الضغوط والمشقة، لأنّ المسير إِلى تبوك كان في وقت اشتداد حر الصيف من جهة.
ومن جهة أُخرى فإنّ القحط قد أثّر في الناس وأنهك قواهم.
وكذلك فإنّ الفصل كان فصل اقتطاف الثمار، ولابدّ من جمع ما على الاشجار والنخيل لتأمين قوت سنتهم.
وإِذا تجاوزنا جميع ذلك، فإنّ المسافة بين المدينة وتبوك طويلة جدًا.
والعدو الذي كانوا يريدون مواجهته هو إِمبراطورية الروم الشرقية، التي كانت يومها من أقوى الامبراطوريات العالمية.
إِضافةً إِلى ما مرّ، فإنّ وسائل النقل بين المسلمين كانت قليلة إِلى الحد الذي قد يضطر أحيانًا عشرة أشخاص إِلى أن يتناوبوا ركوب وسيلة واحدة، وبعض المشاة لم يكونوا يمتلكون حتى النعل، وكانوا مضطرين إِلى العبور على رمال الصحراء الحارقة بأقدام عارية ...
أمّا من ناحية الطعام والشراب، فإنّهم كانوا يعانون من قلّة المواد الغذائية.