الأمثل / الجزء الثالث / صفحة -368-
ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنّبوة، وقالوا: أنّه لا يمكن استباحة دماء هؤلاء لمجرّد عدم هجرتهم مع المسلمين: فنزلت هذه الآية الكريمة وهي تلوم الفئة الأخيرة على خطئها، وترشدها إِلى طريق الحقّ الصواب (1) .
استنادًا إِلى سبب النزول الذي ذكرناه، تتّضح لنا الصّلة الوثيقة بين هذه الآية والآيات التي تليها، وكذلك الآيات السابقة التي تناولت مواضيع وقضايا عن المنافقين.
فهذه الآية تخاطب في البداية المسلمين وتلومهم على انقسامهم إِلى فئتين، كل فئة تحكم بما يحلو لها بشأن المنافقين، حيث تقول: (فما لكم في المنافقين فئتين ...) (2) وتنهي المسلمين عن الإِختلاف في أمر نفر أبوا أن يهاجروا معهم، وتعاونوا مع المشركين، وأحجموا عن مشاركة المجاهدين، فظهر بذلك نفاقهم، ودلت على ذلك أعمالهم، فلا يجوز للمسلمين أنّ ينخدعوا بتظاهر هؤلاء بالتوحيد والإِيمان، كما لا يجوز لهم أن يشفعوا في هؤلاء، وقد أكّدت الآية السابقة أن: (من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) .
وتبيّن الآية بعد ذلك: إِنّ الله قد سلب من هؤلاء المنافقين كل فرصة للنجاح، وحرمهم من لطفه وعنايته بسبب ما اقترفوه وإِنّ الله قد قلب تصورات هؤلاء بصورة تامّة فأصبحوا كمن يقف على رأسه بدل رجليه: (... والله أركسهم بما كسبوا ...) (3) .
1 ـ ذكرت أسباب أُخرى لنزول هذه الآية والآيات التي تليها، وقيل أنّها نزلت في واقعة أُحد بينما الآيات التالية تتحدث عن الهجرة ولا تنسجم مع هذا القول، بل تسنجم مع سبب النزول الذي ذكرناه أعلاه.
2 ـ في هذه الجملة، جملة أُخرى محذوفة تتضح لدى الإِمعان في الأجزاء الاُخرى من الآية والتقدير: «فمالكم تفرقتم في المنافقين فئتين ...» .
3 ـ «أركسهم» : مَن ركس وهو قلب الشيء على رأسه، وتأتي أيضًا بمعنى ردّ أوّل الشيء إِلى آخره.