الأمثل / الجزء الثاني عشر / صفحة -421-
صحيح أن القراءة والكتابة تعدّان ـ لكل إنسان ـ كمالا.. إلاّ أنّه يتفق أحيانًا ـ وفي ظروف معينة ـ أن يكون من الكمال في عدم القراءة والكتابة... ويصدق هذا الموضوع في شأن الأنبياء، وخاصة في نبوّة خاتم الأنبياء «محمّد» (صلى الله عليه وآله) .
إذ يمكن أن يوجد عالم قدير وفيلسوف مطّلع، فيدّعي النبوّة ويظهر كتابًا عنده على أنّه من السماء، ففي مثل هذه الظروف قد تثار الشكوك والإحتمالات أو الوساوس في أنّ هذا الكتاب ـ أو هذا الدين ـ هو من عنده لا من السماء!.
إلاّ أنّنا إذا رأينا إنسانًا ينهض من بين أُمّة متخلفة، ولم يتعلم على يد أي أستاذ، ولم يقرأ كتابًا ولم يكتب ورقةً ـ فيأتي بكتاب عظيم عظمة عالم الوجود، بمحتوى عال جدًا... فهنا يمكن معرفة أن هذا الكتاب ليس من نسج فكره وعقله، بل هو وحي السماء وتعليم إلهي، ويدرك هذا بصورة جيدة!.
كما أنّ هناك تأكيدًا على أُمية النّبي (صلى الله عليه وآله) في آيات القرآن الأُخرى، وكما أشرنا آنفًا في الآية (157) من سورة الأعراف إلى أن هناك ثلاثة تفاسير لمعنى «الأميّ» ، وأوضحها وأحسنها هو أنّه من لا يقرأ ولا يكتب.
ولم يكن في محيط الحجاز وبيئته ـ أساسًا ـ درس ليقرأ النّبي (صلى الله عليه وآله) ، ولا معلم ليحضر عنده ويستفيد منه، وقلنا: إنّ عدد المثقفين الذين كانوا يقرأون ويكتبون في مكّة لم يتجاوز سبعة عشر نفرًا فحسب، ويقال أن من النساء كانت امرأة واحدة تجيد القراءة والكتابة (1) .
وطبيعي في مثل هذا المحيط الذي تندر فيه أدنى مرحلة للعلم وهي القراءة والكتابة، لا يوجد شخص يعرف القراءة والكتابة ولا يعرف عنه الناس شيئًا... وإذا ظهر مدع وقال ـ بضرس قاطع ـ إنّني لم أقرأ ولم أكتب، لم ينكر عليه أحد
1 ـ فتوح البلدان للبلاذري طبع مصر، ص 459.