الأمثل / الجزء السادس / صفحة -217-
المسلمين يقال له: «مجمع بن حارثة» أو «مجمع بن جارية» وأوكلوا له إمامة المسجد.
إِلاّ أنّ الوحي الإِلهي أزاح الستار عن عمل هؤلاء، وربّما لم يأمر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء قبل ذهابه إِلى تبوك ليواجه هؤلاء بكل شدّة، من أجل أن يتّضح أمرهم أكثر من جهة، ولئلا ينشغل فكريًا وهو في مسيرة إِلى تبوك بما يمكن أن يحدث فيما لو أصدر الأمر.
وكيف كان، فإنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتف بعدم الصلاة في المسجد وحسب، بل إنّه ـ كما قلنا ـ أمر بعض المسلمين ـ وهم مالك بن دخشم، ومعنى بن عدي، وعامر بن سكر أو عاصم بن عدي ـ أن يحرقوا المسجد ويهدموه، فنفذ هؤلاء ما أُمروا به، فعمدوا إِلى سقف المسجد فحرّقوه، ثمّ هدموا الجدران، وأخيرًا حولوه إِلى محل لجمع الفضلات والقاذورات (1) .
معبد وثني في صورة مسجد!
أشارت الآيات السابقة إِلى وضع مجاميع مختلفة من المخالفين، وتُعَرِّف الآيات التي نبحثها مجموعة أُخرى منهم، المجموعة التي دخلت حلبة الصراع بخطة دقيقة وذكية، إلاّ أن اللطف الإِلهي أدرك المسلمين، وبدد أحلام المنافقين بإبطال مكرهم وإحباط خطتهم.
فالآية الأُولى تقول: (والذين اتخذوا مسجدًا) (2) وأخفوا أهدافهم الشريرة
(1) مجمع البيان، وتفسير أبي الفتوح الرازي، وتفسير المنار، وتفسير الميزان، وتفسير نور الثقلين، وكتب أُخرى.
(2) بالرغم من أنّ المفسّرين قد أبدوا وجهات نظر مختلفة من الناحية الأدبية حول تركيب هذه الجملة، إلاّ أنّ الظاهر هو أن هذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة التي وردت في شأن المنافقين، وتقديرها هكذا: «ومنهم الذين اتخذوا مسجدًا...» .