الأمثل / الجزء الثاني / صفحة -619-
المدينة (يثرب) ـ هو تمكنه من وضع حد لتلك المعارك والمناوشات وتلك المذابح والمجازر، وإقرار الاخاء مكان العداء وإحلال السلام محل الحروب، وتشكيل جبهة متحدة متراصة الصفوف، قوية البنيان والأركان في المدينة المنورة.
ولكن حيث أن جذور النزاع كانت قوية وعديدة جدًا، كان ذلك الإتحاد يتعرض أحيانًا لبعض الهزات بسبب بعض الإختلافات المنسية التي كانت تطفو على السطح أحيانًا فتشتعل نيران النزاع بعد غياب، ولكن سرعان ما كانت تختفي مرّة اُخرى بفضل تعليمات النبي العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحكمته، وتدبيره.
وقد لاحظنا في الآيات السابقة نموذجًا من تلك الإختلافات المتجددة التي كانت تبرز على أثر التحريكات التي كان يقوم بها الأعداء الأذكياء، ولكن هذه الآيات تشير إلى نوع آخر من الإختلافات التي كان يسببها الأصدقاء الجاهلون، والعصبيات العمياء والحمقاء.
يقال: افتخر رجلان من الأوس والخزرج هما «ثعلبة بن غنم» و «أسعد بن زرارة» فقال ثعلبة: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنا سعد بن معاذ الذي رضي الله بحكمه في بني قريظة، وقال أسعد منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم: فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا فجاء الأوس إلى الأوسي، والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب حمارًا وأتاهم، فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا.