الأمثل / الجزء الثاني / صفحة -517-
ولكن الذي لابدّ من قوله الآن هو أنّ هذه الآية ليس فيها دليل على موت عيسى، على الرغم من أنّ بعضهم تصوّر أنّ كلمة «متوفّيك» من «الوفاة» . وعلى ذلك فإنّهم يرون أنّ هذا الموضوع يتعارض مع الرأي السائد بين المسلمين، والذي تؤيّده الأحاديث، من أنّ عيسى لم يمت وأنّه حي. ولكن الأمر ليس كذلك.
«الفوت» هو بُعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه. و «الوافي» الذي بلغ التمام، ووفى بعهده إذا أتمّه ولم ينقضه. وإذا استوفى أحد دَينه من المدين قيل «توفّى دَينه» .
وفي القرآن وردت «توفّى» كرارًا: (وهو الذي يتوفّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) (1) . فهنا عبّر عن النوم بكلمة «يتوفّاكم» .
هذا المعنى نفسه يرد في الآية 42 من سورة الزمر، كما ترد كلمة «توفّى» في آيات أُخرى بمعنى الأخذ.
صحيح أنّ «توفّى» قد تأتي أحيانًا بمعنى الموت، ولكنّها حتّى في تلك المواضع لا تعني الموت حقًّا، بل بمعنى قبض الروح. والواقع أنّ مادّة «فوت» ومادّة «وفي» منفصلتان تمامًا.
ممّا تقدّم يكون تفسير الآية واضحًا.
يقول الله: يا عيسى إنّني سوف استوفيك وأرفعك إليّ. وهذا يعني حياة عيسى، لا موته (وطبعًا اذا كانت كلمة «توفي» بمعنى قبض الروح فقط. فإن لازم ذلك هو الموت) .
ثمّ تضيف الآية (ومطهّرك من الذين كفروا) .
1 ـ الأنعام: 60.