الأمثل / الجزء الرابع / صفحة -369-
يظن أنّ الله ينظر إِلى هؤلاء نظرة خاصّة وإِستثنائية دونما سبب، يقول القرآن عنهم: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) .
فهم إِذن مشمولون بهذا القانون الإِلهي الذي يسري على غيرهم بغير محاباة.
الآية التّالية تشير إِلى ثلاثة إِمتيازات مهمّة هي أساس جميع إِمتيازات الأنبياء، وهي قوله: (أُولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوة) .
ولا يعني هذا أنّهم جميعًا كانوا من أصحاب الكتب السماوية، ولكن الكلام يدور على المجموع، فنسب الكتاب إِلى المجموع أيضًا، وهذا كقولنا: الكتاب الفلاني ذكر العلماء وكتبهم، أي كتب من له تأليف منهم.
أمّا المقصود من «الحكم» فثمّة إِحتمالات ثلاثة:
1 ـ الحكم بمعنى «العقل والإِدراك» ، أي: إنّنا فضلا عن إِنزال كتاب سماوي عليهم فقد وهبناهم القدرة على التعقل والفهم، إِذ أن وجود الكتاب بغير وجود القدرة على فهمه فهمًا كاملا عميقًا لا جدوى فيه.
2 ـ بمعنى «القضاء» أي أنّهم بإِستنباط القوانين الإِلهية من تلك الكتب السماوية كانوا قادرين على أن يقضوا بين الناس بإِمتلاكهم لجميع شروط القاضي العادل.
3 ـ بمعنى «الحكومة» والإِمساك بزمان الإِدارة، بالإِضافة إِلى مقام النّبوة، إِنّ الدليل على المعاني المذكورة ـ بالإضافة إِلى المعنى اللغوي الذي ينطبق عليها ـ هو أنّ كلمة «الحكم» قد وردت بهذه المعاني نفسها أيضًا في آيات أُخرى من القرآن (1) .
وليس ثمّة ما يمنع من أنّ يشمل استعمال الكلمة في هذه الآية المعاني الثلاثة مجتمعة، فالحكم أصلا ـ كما يقول «الراغب» في «مفرداته» هو المنع،
1 ـ جاءت في الآية (12) من سورة لقمان بمعنى العلم والفهم، وفي الآية (22) من سورة ص بمعنى القضاء، وفي الآية (26) من سورة الكهف بمعنى الحكومة.