فهرس الكتاب

الصفحة 2770 من 11256

الأمثل / الجزء الخامس / صفحة -162-

الاستقامة الواعية:

يمكن أن يتملك الإنسان عجب شديد عند أوّل إطلاعة على قصّة السحرة في زمان موسى (عليه السلام) الذين صاروا من المؤمنين الصادقين، هل يمكن أن يحدث مثل هذا الإنقلاب والتحول العميق في الروح الإنسانية في مثل هذه المدّة القصيرة، بحيث يقطع الشخص كل علاقاته مع الصف المخالف، ويصير في صف الموافق، ثمّ يدافع عن عقيدته الجديدة بإصرار وعناد عجيبين إلى درجة أنّه يتجاهل مكانته ومصالحه وحياته جميعًا، ويستقبل الشهادة بشجاعة منقطعة النظير، وبوجه مستبشر؟

ولكن هذا الإِستغراب يتبدد إذا التفتنا إلى هذه النقطة، وهي أنّ هؤلاء ـ نظرًا إلى سوابقهم الكثيرة في علم السحر ـ وقفوا جيدًا على عظمة معجزة النّبي موسى (عليه السلام) وحقانيته، وسلكوا هذا السبيل عن وعي كامل ... وهذا الوعي صار منشأ لعشق ملتهب سربل كل وجودهم وكيانهم، وهو عشق لا يعرف حدًّا وسدًّا، وفوق جميع النوازع والرغبات البشرية.

إنّهم كانوا يعلمون جيدًا أي طريق يسلكونه؟ ولماذا يجاهدون؟ ومن يكافحون؟ وأي مستقبل مشرق ينتظر هذا الجهاد العظيم؟

أجل، إذا كان الإيمان مقرونًا بالوعي الكامل فإنّه ينتهي إلى مثل هذا العشق الملتهب الذي لا يكون هذا التفاني في سبيله مثار للعجب.

ولهذا نرى كيف أن السحرة قالوا بصراحة وشجاعة (كما في سورة طه الآية(72) : (قالوا لن نؤثرك على ماجاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنّما أنت تقض هذه الحياة الدنيا) .

وأخيرًا ـ وكما جاء في الرّوايات وكتب التأريخ ـ استقام أُولئك الجماعة من السحرة الذين آمنوا بموسى حتى نفّذ فرعون تهديداته، ومثّل بأجسامهم تمثيلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت